أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٨٠ - المقام الثالث فيما استثنى من الأصل المثبت
تسامحه كما في باب الكرّ و النصاب، فإنّه يعلم أنّ ٩٩٩ مثقالًا من الذهب أو الماء ليس الف مثقال، و لكن يسامح في اطلاق الألف عليه، ففي هذا القسم، الصحيح كما قال، أي عدم حجّية التسامح العرفي، و قسم منها ما لا يكون كذلك، أي يكون العرف غافلًا عنه و لا يلتفت إليه و لو عند الدقّة، كما في مثل الدم فهو يحكم بأنّ لونه ليس دماً، مع أنّه يمكن أن يقال: بأنّ انتقال العرض من شيء إلى شيء آخر بدون انتقال معروضه محال عقلًا، فبقاء اللون دليل على بقاء الأجزاء الصغار من الدم، و كذا في ما إذا لاقت يده الميتة و أصاب بها رائحتها، فهو يحكم بعد الاغتسال بعدم وجود أجزاء الميتة في اليد، ففي مثل هذه الموارد لا إشكال في الحجّية، و إلّا كان على الشارع اخراج العرف عن الغفلة، و لا إشكال في أنّ خفاء الواسطة قد يكون من هذا القسم.
ثانياً: أنّ موارد خفاء الواسطة داخلة في القسم الأوّل من كلامه، أي ما إذا كان الشكّ في تعيين المفهوم أو سعته و ضيقه، فيكون المرجع فيها العرف، و بعبارة اخرى: كان الوجه في عدم حجّية المثبتات انصراف دليل «لا تنقض» عنها، و هو ليس جارياً في المقام، أي لا يكون ذلك الاطلاق منصرفاً عن موارد خفاء الواسطة عند العرف.
و إن شئت قلت: يستفاد من تعميم الشارع حجّية الاستصحاب لموارد خفاء الواسطة في مورد حديث زرارة و رواية علي بن محمّد القاساني أنّ أثر الأثر أثر عنده في هذه الموارد.
الثاني: ما أورده المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) على صاحب الكفاية في المورد الثاني و الثالث (مورد جلاء الواسطة و المتلازمين) و حاصله: «أنّه لا حاجة إلى إثبات بقاء أحد المتضايفين باستصحاب الآخر، بل يجري الاستصحاب في كلّ واحد منهما.
هذا في المتلازمين، و هكذا في جلاء الواسطة (الذي مثّل له بباب العلّة و المعلول كاستصحاب حركة اليد و إثبات آثار حركة المفتاح) فيمكن إجراء استصحاب حركة المفتاح في عرض استصحاب حركة اليد، للعلم بوجود كلّ واحد منهما» [١].
و يرد عليه أيضاً: أنّ كلامه في مورد جلاء الواسطة صادق في مثل ما ذكره من مثال حركة اليد و المفتاح و ما أشبهه من موارد العلّة و المعلول، لا في مثل ما ذكرناه من مثال
[١] راجع نهاية الدراية: ج ٥- ٦، ص ١٩٠، طبع مؤسسة آل البيت.