أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٧ - ٢- حديث الحجب
لكن استشكل عليه الشيخ الأعظم و المحقّق الخراساني و المحقّق النائيني رحمهما الله بأُمور عديدة نلخّصها في أمرين:
أحدهما: أنّ الحديث أسند الحجب إلى اللَّه تعالى، و هو حينئذٍ ظاهر فيما سكت اللَّه عنه و لم يأمر نبيّه بالإبلاغ، لا ما بيّنه و اختفى عنهم بعروض الحوادث الذي هو المبحوث عنه في المقام.
ثانيهما: أنّ كلمة «العباد» ظاهرة في العموم المجموعي، أي جميع المكلّفين و الحجب عن العباد صادق في الموارد التي يكون الحكم محجوباً عن مجموع المكلّفين لا عن بعضهم دون بعض، و محلّ النزاع في ما نحن فيه من النوع الثاني كما لا يخفى.
لكن في تهذيب الاصول يصرّ على تمامية الدلالة، و المعتمد في كلامه كلمة «موضوع عنهم» فيقول: «إنّ الظاهر المتبادر من قوله «موضوع عنهم» هو رفع ما هو المجهول، لا رفع ما لم يبيّن من رأس و لم يبلغ، بل لم يأمر الرسل بإظهاره فإنّ ما كان كذلك غير موضوع بالضرورة، و لا يحتاج إلى البيان مع أنّه مخالف لظاهر «موضوع عنهم» [١].
و قال في مقام الجواب عن الإشكال الأوّل: «إنّ الظاهر من الحجب هو الحجب الخارج عن اختيار المكلّف لا الحجب المستند إلى تقصيره و عدم فحصه ... و عندئذٍ يكون إسناد الحجب إليه على سبيل المجاز، و مثله كثير في الكتاب و السنّة، فإنّ مطلق تلك الأفعال يسند إليه تعالى بكثير من دون أن يكون خلاف الظاهر في نظر العرف».
و في مقام الجواب عن الإشكال الثاني قال: «إنّ المطابق للذوق السليم هو أن يكون المراد: كلّ من حجب اللَّه على شيء عنه فهو مرفوع عنه سواء كان معلوماً لغيره أو لا (لا أن يكون المراد ما حجب اللَّه علمه عن مجموع المكلّفين و لا أن يكون المراد ما حجب اللَّه علمه عن كلّ فرد فرد من أفراد المكلّفين) كما هو المراد من قوله ٦ في حديث الرفع: «رفع عن امّتي ما لا يعلمون» على أنّ مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي ذلك، فإنّ الظاهر أنّ المناط للرفع هو الحجب عن المكلّف، و حجبه عن الغير و عدمه لا دخل له لذلك كما لا يخفى» [٢].
لكن الحقّ أنّ ظهور كلمة العباد في العموم الاستغراقي و ظهور الحجب في الإسناد الحقيقي مقدّم على ظهور كلمة «موضوع عنهم» في رفع ما هو المجعول (لا رفع ما لم يبيّن من رأس و لم
[١] تهذيب الاصول: ج ٢، ص ١٧٣، طبع جماعة المدرّسين.
[٢] تهذيب الاصول: ج ٢، ص ١٧٢- ١٧٣، طبع جماعة المدرّسين.