أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٦٨ - التنبيه السابع استصحاب أحكام الشرائع السابقة
و إن شئت قلت: قاعدة الاشتراك تجري بالنسبة إلى موارد الوحدة في الموضوع لا ما إذا اختلف الموضوع، فإذا كانت أركان الاستصحاب الذي هو حكم ظاهري تامّة في حقّ أحد دون آخر يجري الاستصحاب في حقّه فقط دون غيره.
أقول: التحقيق في المسألة يستدعي تحليل ماهية نسخ الشريعة، فنقول: لا إشكال في أنّ نسخ الشريعة ليس بمعنى نسخ الاصول الاعتقادية فيها، كما لا إشكال في أنّه ليس عبارة عن تغيير جميع الأحكام بل يدور النسخ مدار معنيين:
أحدهما: رفع بعض الأحكام الفرعية و جزئيات الفروع ككيفية الزكاة و الصّلاة، و ثانيهما: إتمام أمد رسالة النبي السابق و انقضاء عمرها، و لازمه تشريع جميع الأحكام من جديد، و حينئذٍ ليس هو من قبيل تغيير الدولة في حكومة خاصّة و تبديلها إلى دولة اخرى، بل هو في الواقع من قبيل تبديل أصل الحكومة إلى حكومة جديدة و نظام آخر بحيث لا بدّ فيه من تقنين قانون أساسي جديد، و بالجملة أنّه بمعنى تدوين جميع القوانين العمليّة و الأحكام الفرعية من أصلها، و إن اشتركت الشريعتان في كثير من أحكامهما.
الصحيح في ما نحن فيه هو المعنى الثاني، فإنّ هذا هو حقيقة نسخ الشرائع و الديانات و ظهور شريعة اخرى جديدة، و يشهد على هذا المعنى أوّلًا: تكرار تشريع بعض الأحكام في الإسلام مع وجوده في الشريعة السابقة كحرمة شرب الخمر و حرمة الزنا و وجوب الصيام و الصّلاة و كثير من المحرّمات و الواجبات، كما يدلّ عليه بالصراحة التعبير بالكتابة في مثل قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ».
و ثانياً: جريان أصالة الإباحة بالنسبة إلى الشبهات الوجوبيّة عند الأخباري و الاصولي معاً، و في الشبهات التحريميّة عند الاصولي فقط، فإنّه أيضاً شاهد على نسخ جميع الأحكام السابقة و رجوع الأشياء إلى الإباحة، و على عدم وجود حكم إلزامي إلّا بعد ثبوت تدوينه و كتابته ثانياً.
و الذي يستنتج من هذا المعنى للنسخ هو عدم جواز استصحاب الشرائع السابقة فإنّه فرع احتمال بقاء بعض أحكام الشريعة السابقة، مع أنّك قد عرفت إنّا نعلم بنسخ جميع أحكامها و تشريع أحكام جديدة، وافقها أو خالفها.
كما يظهر منه عدم تمامية ما اجيب به عن الإشكال الأوّل الذي أورد على استصحاب