أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٦٢ - التنبيه السادس الاستصحاب التعليقي
فنقول: أنّ الغليان على قسمين: غليان بنفسه و غليان بالنار و شبهها، أمّا الغليان بنفسه فهو نشيش اسكاري يحصل بنفسه أو في مقابل الشمس و يكون من مقدّمات انقلاب العصير مسكراً، و قد ذكر أهله أنّ المواد الحلوة الموجودة في العصير العنبي أو الزبيبي أو التمري و غيره تنجذب بالمواد المخمّرية و هى خليّات حيّة، ثمّ يحصل منه المواد الكحولية و غاز الكربن، و هذا الغاز هو الذي يوجب النشيش، و هو المسمّى بغليان الخمر (جوشش مي)، و أمّا الغليان بالنار فهو نشيش فيزيكي يحصل للعصير بحرارة النار.
و الفرق بين هذين النوعين من الغليان و النشيش ماهوي، و الذي يوجب الاسكار و تجري عليه جميع أحكام الخمر و لا يطهّره ذهاب الثلثان هو النوع الأوّل من الغليان، أي الغليان بنفسه، و أمّا النوع الثاني فهو يوجب الحرمة فقط و لا دليل على نجاسته، و يطهر العصير فيه بذهاب الثلثان و قد ذكرنا في التعليقة [١] على العروة أنّ الحكمة من تحريمه لعلّها هى أنّ العصير المتّخذ للشرب مدّة مديدة إذا لم يذهب ثلثاه ينقلب خمراً تدريجاً فحرّمه الشرع مطلقاً حماية للحمى، و أمّا إذا ذهب ثلثاه فلا ينقلب مسكراً لأنّ من شرائط التخمير وجود كميّة وافرة من الماء.
و لعلّ أوّل من التفت إلى الفرق المذكور هو المحقّق شيخ الشريعة الأصفهاني (رحمه الله) في رسالته القيّمة في العصير العنبي.
فقد ظهر ممّا ذكر أنّه لا ربط بين الغليان بالنار و الغليان بنفسه، و أنّه لا دليل على نجاسة العصير إذا غلى بالنار، بل الدليل قام على حرمته فقط. هذا أوّلًا.
و ينبغي أن نشير ثانياً: إلى أنّ الثابت من هذه الحرمة إنّما هو في العصير العنبي، و أمّا الزبيبي و التمري و نحوها فالاجتناب عنهما هو الأحوط، و ثالثاً أنّ هذا الحكم يجري فيما صدق عليه العصر عرفاً و أمّا ما يلقى من العنب أو الزبيب أو التمر في الغذاء فيغلى فلا دليل على حرمته فتوىً أو احتياطاً لعدم صدق عنوان العصير عليه.
إذا عرفت هذا فلنرجع في أصل البحث فنقول:
استدلّ القائلون بحجّية الاستصحاب التعليقي بأنّ أركانه تامّة، من اليقين السابق و الشكّ
[١] راجع التعليقة على العروة: ج ١، ص ٢٨.