أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٥٣ - الشبهة العبائيّة
أمّا القول الثاني: فحاصل ما استدلّ له أنّه يرجع إلى التمسّك بعموم لا تنقض في الشبهة المصداقيّة، لأنّه يحتمل أن يكون رفع اليد عن اليقين السابق من قبيل نقض اليقين باليقين فإنّ احتمال انطباق هذا الأثر على الجنابة المعلوم ارتفاعها مساوق لاحتمال تحقّق اليقين بارتفاع الجنابة الحادثة عند حدوث هذا الأثر.
إن قلت: أنّه لا معنى للشكّ في تحقّق اليقين و عدمه، لأنّ اليقين من الصفات النفسانية التي لا يمكن تطرّق الشكّ إليها فإمّا يعلم بوجوده في عالم النفس أو يعلم بعدمه.
قلت: إنّ متعلّق حكم الشارع بالإبقاء نفس الجنابة الخارجية الحاصلة عند وجود هذا الأثر، و إنّما أخذ هذا العنوان (الجنابة الحاصلة عند وجود الأثر) للاشارة إلى الموجود الخارجي، و إلّا فلا دخل لهذا العنوان في الحكم الشرعي بلا إشكال، فلو علم بارتفاع الجنابة الخارجية (بأي عنوان كان و بأيّة إشارة فرضت) فقد حصلت الغاية و هو اليقين بارتفاع الجنابة و كان رفع اليد عن المتيقّن السابق من قبيل نقض اليقين باليقين فإحتمال انطباق عنوان المتيقّن في المقام على الجنابة المعلوم ارتفاعها يوجب احتمال كون رفع اليد عنه من قبيل نقض اليقين باليقين فلا يصحّ التمسّك بعموم «لا تنقض» لإثبات بقائها.
و الحاصل: أنّ اليقين و الشكّ و إن كانا من الامور النفسانيّة التي لا يمكن الشكّ في تحقّقها، و لكن الكلام هنا في متعلّق اليقين، فقد يكون العنوان الذي أخذ في متعلّقه منطبقاً على عنوان آخر في الخارج، و مجرّد هذا الاحتمال يوجب احتمال تحقّق اليقين بارتفاع الجنابة في المثال و لو بعنوان آخر، فالشكّ إنّما هو في انطباق العنوانين اللذين تعلّق بهما الشكّ و اليقين، فتأمّل فإنّه دقيق.
هذا كلّه بالنسبة إلى القول الثاني.
و أمّا القول الثالث: فهو تفصيل المحقّق الهمداني (رحمه الله) بين ما ذكرنا من المثال فيجري فيه الاستصحاب و بين ما إذا علم الإنسان باحتلامه ليلة السبت و لم يغتسل منها بل عوّض ثوبه فقط، ثمّ نام و اغتسل بعد الاستيقاظ ثمّ نام في ليلة الأحد و رأى أثر الجنابة في ثوبه بعد الاستيقاظ، فهو يحتمل أن يكون هذا الأثر من الاحتلام الذي يحتمل وقوعه في النوم الثاني من ليلة السبت، أو من الاحتلام المحتمل وقوعه في ليلة، الأحد، فإن كان من الأوّل فلا أثر لهذا الاحتلام، لأنّه من قبيل وقوع الحدث بعد الحدث، و إن كان من الثاني فيجب الغسل عنها،