أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٣٠ - التنبيه الأوّل الأحكام الوضعيّة
بالأصالة، و موضوعة مستقلًا من ناحية الذهن بالمقايسة مع الخارج، ففي الملكيّة يجعل صورة فرضية للسلطنة على شيء كسلطنة الإنسان على أعضائه و جوارحه.
٧- و منها الحجّية في باب الأمارات و غيرها من الحجج الشرعيّة و العقلائيّة، كحجّية خبر الواحد.
و التحقيق في هذا القسم مبنى على ملاحظة المباني المختلفة في باب الحجّية، و لذلك نقول:
لو كان المبنى أنّ الحجّية عبارة عن جعل حكم مماثل فمعنى حجّية خبر الواحد الدالّ على وجوب صلاة الجمعة أنّ الشارع جعل وجوباً ظاهرياً طريقيّاً لصلاة الجمعة مماثلًا لما في الواقع، فلا إشكال في أنّها حينئذٍ حكم تكليفي إذا كان الخبر دالًا على الحكم التكليفي، و حكم وضعي إذا كان الخبر دالًا على الحكم الوضعي لأنّ الحجّية حينئذٍ عبارة عن نفس الحكم المماثل المجعول.
و لو قلنا بأنّها عبارة عن المنجزية و المعذرية، أي أنّ إصابة الأمارة الواقع كانت منجّزة و إن أخطأت كانت عذراً، فيمكن أن يقال: أنّها من الأحكام الوضعيّة المجعولة بالأصالة لأنّ كونها مجعولة حينئذٍ ممّا لا ريب فيه، كما أنّ عدم كونها من الأحكام الخمسة التكليفيّة أيضاً ظاهر، فينطبق عليها تعريف الحكم الوضعي.
و لو قلنا بأنّها بمعنى إلغاء احتمال الخلاف فإمّا أن يكون المراد منه حينئذٍ الغاء الاحتمال بحسب الاعتقاد، أي تبديل صفة الظنّ باليقين فهو أمر محال غير معقول لأنّه أمر تكويني ليس في اختيار المكلّف، و لا يحصل بسبب الإنشاء، و أمّا أن يكون المراد إلغاء الاحتمال بحسب العمل فهو يرجع إلى الحكم التكليفي بالعمل، لأنّ معنى «الغ احتمال الخلاف» حينئذٍ «افعل هذا العمل و امش في مقام العمل طبقاً لمؤدّى الأمارة» و هو في الواقع يرجع إلى المعنى السابق، و هو إنشاء الحكم المماثل.
و هاهنا مبنى رابع للمحقّق النائيني، و هو ما مرّ منه في مبحث الأمارات من أنّ الحجّية عبارة عن جعل صفة العلم للظنّ، فبناءً عليه تكون الحجّية أيضاً من الأحكام الوضعيّة المجعولة بالأصالة كما لا يخفى.
فظهر ممّا ذكرنا أنّ ما فعله المحقّق الخراساني (رحمه الله) من جعله الملكية و نحوها في عرض المناسب (أوّلًا) و جعله الحجّية في عرض الملكيّة و المناصب من دون أن يفصل بين المذاهب المختلفة في معنى الحجّية (ثانياً) في غير محلّه.