أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣١٦ - استدلال بعض الأعاظم للتفصيل و نقده
الاستصحاب الحكمي مقدّم على استصحاب عدم الجعل (عكس ما قد يقال من أنّ استصحاب عدم الجعل مقدّم لكونه سببيّاً) لأنّ الاستصحاب الحكمي بنفسه يكون جعلًا لحكم ظاهري، و لذلك يقال: إنّ استصحاب الحكم من قبيل جعل مماثل، فإنّ معنى استصحاب نجاسة الماء الذي زال عنه التغيّر أنّ الشارع جعل له نجاسة ظاهريّة في هذا الحال، و مع وجود هذا الحكم الظاهري لا يبقى شكّ في جعل الطهارة، فلا مجال لاستصحاب عدمه.
٤- (هذا و ما بعده من الإشكال الآتي هو العمدة في المقام) أنّ الاستصحاب الحكمي (استصحاب المجعول) لا يكون معارضاً لاستصحاب عدم الجعل في جميع الموارد و الأمثلة، بل كثيراً ما يكون موافقاً له، كاستصحاب طهارة المذي الخارج بعد الوضوء الذي لا يعارضه استصحاب عدم جعل ناقضية المذي (فإنّ استصحاب عدم الجعل فيه عبارة عن استصحاب عدم الناقضية كما لا يخفى) بل يعضده، و هكذا استصحاب بقاء الملكية في عقد المعاطاة بعد قول المالك الأوّل «فسخت» فإنّه ليس معارضاً لاستصحاب عدم جعل الفسخ رافعاً، و أمّا الملكيّة الحاصلة بالبيع فهى مستمرّة بالإجماع لو لا الفسخ، فلا يمكن أن يقال: نحن نشكّ في جعل الملكية حتّى في ما بعد الفسخ، لأنّه عبارة اخرى عن جعل الفسخ نافذاً، و الأصل عدم جعله نافذاً، فهو موافق لاستصحاب بقاء الملكية، و كذلك بالنسبة إلى كلّ مورد يكون الشكّ فيه في النقض أو الرفع أو الفسخ.
فلا بدّ لمن قام دليله على عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة و تعارضه مع استصحاب عدم الجعل أن يفصّل ثانياً بين مواردها فيكون تفصيلًا في تفصيل.
٥- إنّ الأساس في الاستصحاب كما مرّ كراراً إنّما هو بناء العقلاء و سيرتهم، و هى قائمة في خصوص الموارد التي تكون الغلبة فيها على البقاء، مثل الصحّة و المرض الذي تكون الغلبة فيه على السلامة، و في الأملاك و المساكن التي تكون الغلبة فيها بقائها على حالها، و أمّا فيما إذا كانت الغلبة على العكس، كما إذا وقعت زلزلة في بلد من البلاد و خربت أكثر بيوته، ففي مثل هذا المورد لا يعتمد العقلاء على استصحاب بقاء دار زيد مثلًا، أو إذا شاع مرض مثلًا و أهلك غالب سكّان البلد فلا شكّ في أنّهم لا يعتمدون أيضاً على استصحاب حياة زيد مثلًا، و من هذا القبيل ما نحن فيه، حيث إنّ ظهور الإسلام و الشريعة المقدّسة أوجب تزلزلًا و تغييراً أساسيّاً بجعل أحكام جديدة في كثير من الموضوعات بحيث صارت الغلبة على وجود الجعل و المجعول، و في مثله لا تأتي تلك السيرة مع ذلك الملاك، فلا يجري استصحاب عدم الجعل فيه.