أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٧٧ - الأمر الخامس هل الاستصحاب من الاصول أو الأمارات؟
كونه من أحكام العقل يعني به ما استقرّ عليه بناء العقلاء فهو دليل ظنّي اجتهادي نظير القياس و الاستقراء على القول بهما، و حيث إنّ المختار عندنا هو الأوّل ذكرناه في الاصول العمليّة المقرّرة للموضوعات بوصف كونها مشكوكة الحكم، لكن ظاهر كلمات الأكثر كالشيخ و السيّدين و الفاضلين و الشهيدين و صاحب المعالم كونه حكماً عقليّاً، و لذا لم يتمسّك أحد هؤلاء فيه بخبر الأخبار (انتهى).
فيظهر من صريح كلامه أنّ الاستصحاب عنده من الاصول إن كان الدليل عليه هو الأخبار، و من الأمارات إن كان الدليل عليه هو العقل، و إنّ مختاره هو الأوّل، لكن لا بدّ قبل تعيين ما هو الصحيح في المسألة من بيان الفرق بين الأمارة و الأصل العملي.
فنقول: المعروف فيه أنّ الأصل ما أخذ في موضوعه الشكّ، و أنّ الأمارة ما يكون طريقاً إلى الواقع من دون أخذ الشكّ في موضوعه.
و ذكر بعض أنّ الأصل ما يكون الشكّ مأخوذاً في موضوعه، و أنّ الأمارة ما يكون الشكّ مأخوذاً في مورده.
و الحقّ هو أنّ الشكّ مأخوذ في موضوع كلّ من الأصل و الأمارة من دون فرق بين الموضوع و المورد، و الشاهد عليه قوله تعالى: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»، الوارد في حجّية الرجوع إلى أهل الخبرة، حيث إنّ «لا تعلمون» يساوق معنى الشكّ، و لا كلام في أنّ الرجوع إلى أهل الخبرة من الأمارات، بل لا معنى لنفي الشكّ عن موضوع الأمارات فإنّها على كلّ حال واردة في ظرف الشكّ و مقيّدة به، سواء ورد التصريح به في العبارة أو لم يرد، و الفرق بين المورد و الموضوع لا معنى محصّل له.
بل الصحيح في الفرق بينهما أنّ الأمارة ما تكشف عن الواقع في الجملة، و لأجل ذلك جعلت لها الحجّية عند الشرع أو العقلاء من أهل العرف فصار كشفها الناقص بمنزلة الكشف التامّ، و أمّا الأصل فليس له كشف عن الواقع بل هو حكم جعل لمجرّد رفع الحيرة و الترديد في مقام العمل، سواء كان الدليل عليه العقل أو النقل.
و إن شئت قلت: إنّ هنا موضوعاً و حكماً و علّة للحكم، فالموضوع في كلٍّ من الأمارات و الاصول هو الشكّ بالمعنى الأعمّ من الظنّ، كما أنّ الحكم في كليهما هو الحجّية، و لكن العلّة في الأمارات هى الكاشفيّة عن الواقع في الجملة، بينما العلّة في الاصول هى مجرّد رفع الحيرة في