أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٥ - المناقشة
أنّ المؤاخذة و العقوبة لا تحسن إلّا بعد تبليغ الأحكام و التكاليف إلى العباد، و هذا لا ربط له بما نحن فيه من الشكّ في التكليف بعد التبليغ و عروض اختفاء التكليف ببعض الموجبات التي لا دخل للشارع فيها.
و الجواب عنه: هو الجواب من أنّ المراد من الإيتاء هو إتمام الحجّة، فتدلّ الآية على نفي العذاب ما لم تتمّ الحجّة بعد التبليغ، و هو المطلوب.
و ثالثاً: بأنّ المقصود في الآية و كذلك في الرواية التكليف بما لا يطاق، فإنّ معرفة صفاته تعالى مثلًا خارجة عن طاقة البشر، و لا يمكن حصولها له إلّا من ناحية البيان، فالآية تنفي التكليف بما لا يطاق لا التكليف بالاحتياط في مثل التدخين الذي يكون ممكناً للإنسان، و ليس خارجاً عن طاقته، و الشاهد على ذلك أنّ الإمام ٧ ذكر هذه الآية في جنب قوله تعالى: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلّا وُسْعَهَا» التي لا إشكال في أنّ المقصود منها التكليف بما لا يطاق، فالآية حينئذٍ أجنبية عمّا نحن فيه.
و رابعاً: بأنّ سند الرواية ضعيف من ناحية عبد الأعلى المجهول في كتب الرجال، اللهمّ إلّا أن يقال: بأنّه وقع بعد حمّاد و هو من أصحاب الإجماع، و لكن المختار عندنا عدم تماميّة هذه القاعدة.
و بهذا يظهر أنّ الآية غير صالحة للاستدلال بها في المقام.
و منها: قوله تعالى: «وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» [١]، و دلالتها على المدّعى تتمّ إذا كانت «يضلّ» بمعنى «يعذّب» لأنّ مفادها حينئذٍ عدم العقاب بلا بيان، فالمهمّ في المقام تعيين معنى «يضلّ» بعد عدم تصوّر معناها اللغوي المعروف بالنسبة إلى الباري تعالى، فنقول: يحتمل فيها أربعة وجوه:
١- أن يكون بمعنى التعذيب كما مرّ آنفاً.
٢- أن يكون بمعنى الحكم بالضلال.
٣- أن يكون بمعنى الخذلان أي ترك العون و الإمداد و سلب التوفيق.
٤- أن يكون بمعناه الحقيقي مع حقيقة الإسناد بالنسبة إليه تعالى من باب إنّه مسبّب
[١] سورة التوبة: الآية ١١٥.