أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٣ - المناقشة
و منها: قوله تعالى: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلّا مَا آتَاهَا» [١]، و تقريب الاستدلال بها أنّ «ما آتاها» بمعنى «ما أعلمها» أي لا يكلّف اللَّه نفساً إلّا ما آتاها من العلم، فدلالتها على البراءة واضحة.
و قد يناقش في الاستدلال بها بأنّ المراد من الموصول فيها إنّما هو المال بقرينة ما ورد في صدرها من قوله تعالى: «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَ أْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَ إِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلّا مَا آتَاهَا» فيكون المعنى حينئذٍ: لا يكلّف اللَّه نفساً إلّا مالًا آتاها، أي أعطاها، و هو أجنبي عن البراءة كما هو واضح.
و لكن في اصول الكافي عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله ٧: أصلحك اللَّه هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة؟ قال: فقال «لا»، قلت: فهل كلّفوا المعرفة؟ قال «لا، على اللَّه البيان، لا يكلّف اللَّه نفساً إلّا وسعها، و لا يكلّف اللَّه نفساً إلّا ما آتاها»، قال: و سألته عن قوله: «وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ»، قال: «حتّى يعرّفهم ما يرضيه و ما يسخطه» [٢].
فهذه الرواية تؤكّد أنّ الآية ناظرة إلى العلم و المعرفة، و لا يخفى أنّ المراد من المعرفة فيها ليست معرفة أصل وجود اللَّه تبارك و تعالى، لأنّه لا ريب في أنّ أحسن الأدلّة على وجوده تعالى و أوّلها هو العقل من دون اعتماد على البيان، فليكن المراد معرفة الصفات التي لا تصاب بالعقول، و لذا اشتهر بين العلماء أنّ أسماء اللَّه تعالى و صفاته توقيفية.
فلا بدّ حينئذٍ من الجمع بين مورد الآية و هذه الرواية، فنقول: يحتمل في المراد من الموصول في الآية ثلاثة وجوه:
أحدها: أن يكون المراد المال.
ثانيها: أن يكون المراد المعارف و التكاليف.
ثالثها: الجامع بين المعنيين، فاستعمل الموصول في مطلق الاعطاء أعمّ من الاعطاء المالي و اعطاء الحجّة و العلم.
[١] سورة الطلاق: الآية ٧.
[٢] اصول الكافي: ج ١، باب «البيان و التعريف و لزوم الحجّة» من كتاب الحجّة.