أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٣ - الكلام في قاعدة لا ضرر
أنّ إباحة الجلد و الوبر في مثال الحيوان المشكوك الحلّية هى من آثار عدم الحرمة في الواقع، ففي هذه الصورة أيضاً لا تجري أصالة الإباحة لأنّها تثبت الإباحة الظاهرية لا الواقعية.
فظهر أنّ كلام الفاضل التوني (رحمه الله) بالنسبة إلى هذا الشرط تام إذا كان مراده منه الصورتين الأخيرتين، نعم إنّه لا يختصّ بأصالة البراءة، بل هو جارٍ في سائر الاصول العمليّة حتّى الاستصحاب، فإنّها لا تجري في ما إذا كانت مثبتة، و فيما إذا كان الأثر الشرعي مترتّباً على الحكم الواقعي.
أمّا الشرط الثاني: فهو أيضاً لا اختصاص له بأصالة البراءة فكلّ أصل عملي لا يجري إذا أوجب الضرر، هذا مضافاً إلى أنّه لا يختصّ بقاعدة لا ضرر بل يعمّ سائر الأدلّة الاجتهاديّة فإنّها مقدّمة على الاصول العمليّة.
و إن شئت قلت: لا ينبغي عدّ هذا الشرط من شرائط جريان الاصول، إذ مع وجود الأدلّة الاجتهاديّة ينتفي موضوع الاصول العمليّة و هو الشكّ، و لا مجال حينئذٍ للرجوع إلى الأصل.
و أمّا الأمثلة المذكورة في كلام الفاضل التوني (رحمه الله) فهى أجنبية عمّا نحن فيه، لأنّ المرجع فيها قاعدة الإتلاف و الضمان، لإطلاق قوله ٧: «من أتلف مال الغير فهو له ضامن» فيشمل الإتلاف المباشري و التسبيبي، لصدق الإتلاف عليهما عرفاً، و ما نحن فيه من قبيل الثاني.
الكلام في قاعدة لا ضرر
قد عنون كثير من الأعاظم تبعاً للشيخ الأعظم و المحقّق الخراساني ٦ بمناسبة كلام الفاضل التوني (رحمه الله) قاعدة لا ضرر، حيث عقدوها للبحث بعنوان أنّها قاعدة فقهيّة، كما أنّ جماعة منهم كتبوا لها رسائل مستقلّة، و نحن نتعرّض لها هنا أيضاً اقتفاءً لآثارهم.
و لكن قبل الورود في البحث عن أصل القاعدة تنبغي الإشارة إلى أمرين:
الأوّل: أنّ القواعد الفقهيّة مع كثرتها و أهميّتها لها مصير مؤسف، فقد تعنونت عدّة منها في الكتب الاصوليّة للمتأخّرين كقاعدة لا ضرر و قاعدة الفراغ و التجاوز، و القرعة، و الميسور، و عدّة اخرى في الكتب الفقهيّة كقاعدة ما لا يضمن و قاعدة اللزوم في أبواب المعاملات، و لكن قسم عظيم منها لم يُبحث عنها لا في الفقه و لا في الاصول مع كثرة استدلالهم بها و شدّة