أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٦٢ - الجهة الثالثة في القيود
الماهيات و العناوين دون المصاديق الخارجيّة، وعليه فالمدار في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر إنّما هو ملاحظة لسان الدليل الدالّ على الحكم حسب الدلالة اللفظيّة العرفيّة، لا المصاديق الخارجيّة، و من المعلوم أنّ البعث إلى الطبيعة (كطبيعة الرقبة) غير البعث إلى الطبيعة المقيّدة (كطبيعة الرقبة المؤمنة)، و النسبة بين المتعلّقين هو القلّة و الكثرة و إن كانت المصاديق على غير هذا النحو، و حينئذٍ نقول: إنّ البعث إلى طبيعة الرقبة معلوم، و تعلّقه إلى المؤمنة مشكوك فيه، فتجري البراءة عن المشكوك، و هكذا المركّبات التحليليّة كالجنس و الفصل لأنّ الموضوع ينحلّ عند العقل إلى معلوم و مشكوك فيه، فالصلاة المشروطة بالطهارة عين ذات الصّلاة في الخارج، كما أنّ الرقبة المؤمنة عين مطلقها فيه، و الإنسان عين الحيوان و هكذا، و إنّما الافتراق في التحليل العقلي، و هو في الجميع سواء، فكما تنحلّ الصّلاة المشروطة بالصلاة و الاشتراط، كذا ينحلّ الإنسان إلى الحيوان و الناطق، ففي جريان البراءة و قيام الحجّة على المتيقّن دون المشكوك سواء في الجميع» [١].
أقول: الأقوى هو القول الثاني و هو ما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله)، نعم بالنسبة إلى القيود غير المقوّمة، المختار هو البراءة العقلائيّة لا العقليّة بناءً على ما حقّقناه في مبحث البراءة.
و على أي حال لا فرق بين الأجزاء و الشرائط و القيود إلّا في القيود المقوّمة لأنّها في نظر العرف من قبيل المتباينين و إن لم يكن كذلك بالدقّة العقليّة، و إن شئت فاختبر نفسك فيما إذا أمر المولى بصناعة مصنوع خشبي يتردّد بين كونه سريراً أو نافذة، ففي هذه الحالة و إن كانت وصف السريرية و غيرها من الأعراض للخشب لكنّها تعدّ عند العرف من المقوّمات، و السرير و النافذة عندهم متباينان كالسيّارة و الطائرة، و إن كانتا مصنوعتين من الخشب و الحديد، و لذلك يوجب التخلّف فيهما بطلان المعاملة لا مجرّد خيار تخلّف الوصف.
و بالجملة إنّ المعيار في التباين و الوحدة ليس الجنس و الفصل المنطقيين بل المعيار الصدق العرفي و إن كان الاختلاف في الاعراض.
هذا- بخلاف ما إذا كانت القيود غير مقوّمة عند العرف كقيد الإيمان في الرقبة المؤمنة و قيد الكتابة في العبد الكاتب، فيكون الفاقد و الواجد من قبيل الأقل و الأكثر فتجري البراءة بالنسبة إلى الأكثر.
[١] راجع تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٣٤٥- ٣٤٦، طبع جماعة المدرّسين.