أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٤٦ - التنبيه السابع حكم ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة
على طهارته لاستصحاب الطهارة، و بقاء الثوب على نجاسته لاستصحاب النجاسة مع القطع باتّحادهما واقعاً أمّا في الطهارة أو في النجاسة.
إن قلت: إنّ الملاقاة بمنزلة تقسيم ما في أحد المشتبهين و جعله في إناءين فتتسع دائرة الملاقى، فالملاقي و الملاقى معاً طرف واحد للعلم الإجمالي، و الإناء الآخر طرف آخر له، فيجب الاجتناب عن مجموع الثلاثة.
قلنا: المفروض- كما قلنا- حصول الملاقاة بعد حصول العلم الإجمالي و تعارض الاصول في الأطراف، و معه كيف يصير الملاقي جزءاً لأحد الأطراف مع أنّه قد مرّ سابقاً أنّ الاصول تدخل في مجال التعارض مرّة واحدة فيبقى الأصل الجاري في الملاقي بلا معارض؟
إن قلت: إنّ مسألة الاجتناب عن الملاقي يعدّ عرفاً من شئون الاجتناب عن الملاقى، و ليس تكليفاً جديداً، و ليس وجوب الاجتناب عن الملاقي لأجل تعبّد آخر وراء التعبّد بوجوب الاجتناب عن الملاقى، أي يدلّ نفس دليل وجوب الاجتناب عن النجس ( «و الرجز فاهجر» أو «اجتنب عن النجس») على الاجتناب عنه و عن ملاقيه بوزان واحد فلو كان الملاقى هو النجس الواقعي توقّف العلم بهجره على الاجتناب عنه و عن ملاقيه، كما يتوقّف العلم بامتثال خطاب «اجتنب عن النجس» على الاجتناب عن طرف الملاقي أيضاً، بداهة الفراغ اليقيني عن وجوب الاجتناب عن النجس المعلوم المردّد لا يحصل إلّا بذلك.
قلنا: هذه دعوى بلا دليل لأنّ الملاقي (على فرض تنجّسه كما في النجس المعلوم تفصيلًا) موضوع جديد للجنس، و له حكم جديد، و لشربه معصية جديدة، فيعدّ شرب الملاقي و الملاقى معاً معصيتين لا معصية واحدة، كما هو الظاهر من بعض الروايات كما أفاد به في تهذيب الاصول، حيث قال: و يمكن الاستدلال على القول المشهور (إنّ وجوب الاجتناب عن الملاقي مجعول مستقلًا) بمفهوم قوله ٧: «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء»، فإنّ مفهومه إنّ الماء إذا لم يبلغ حدّ الكرّ ينجّسه بعض النجاسات، أي يجعله نجساً و مصداقاً مستقلًا منه، و ظاهره أنّ الأعيان النجسة واسطة لثبوت النجاسة للماء فيصير الماء لأجل الملاقاة للنجس فرداً من النجس مختصّاً بالجعل [١].
[١] تهذيب الاصول: ج ٢، ص ٢٩٨، طبع جماعة المدرّسين.