أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٤٥ - التنبيه السابع حكم ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة
في المسألة أقوال ثلاثة:
١- ما ذهب إليه المشهور من عدم تنجّس الملاقي مطلقاً.
٢- ما حكي عن العلّامة في المنتهى و ابن زهرة في الغنية من التنجّس و وجوب الاجتناب مطلقاً.
٣- ما أفاده المحقّق الخراساني (رحمه الله) في الكفاية من التفصيل بين صور ثلاث: ففي صورة قال بوجوب الاجتناب عن الملاقي و الملاقى معاً، و في صورة اخرى قال بوجوب الاجتناب عن خصوص الملاقى، و في صورة ثالثة قال بوجوب الاجتناب عن الملاقي دون الملاقى.
و بما أنّ المسألة ليس لها دليل خاصّ فلا بدّ من الرجوع إلى الأدلّة الأوّليّة الجارية في أطراف العلم الإجمالي و ملاحظة أنّها هل تشمل ملاقيها أو لا؟
و الصحيح عدم الشمول، لأنّ وجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي كان مبنيّاً على وجهين: وجوب المقدّمة العلميّة، و تعارض الأدلّة المرخّصة، و كلاهما غير جاريين في المقام.
أمّا الأوّل: فلأنّ ما يكون مقدّمة للعلم بالفراغ عن خطاب «اجتنب عن النجس» مثلًا إنّما هو الاحتياط في نفس الأطراف التي يحتمل انطباق المعلوم بالإجمال على بعضها، دون غيرها ممّا لا يحتمل انطباق المعلوم عليه و إن كان محكوماً عليه بحكم بعض الأطراف واقعاً، لكون ذلك البعض علّة لنجاسة ملاقيه، لكن الملاقي على هذا التقدير فرد آخر ليس ارتكابه مخالفة لخطاب «اجتنب عن النجس» المعلوم إجمالًا، بل مخالفة لخطاب آخر و هو «اجتنب عن ملاقي النجس» الذي هو مشكوك الوجود.
و أمّا الثاني: فلأنّ المفروض حصول الملاقاة بعد تساقط الاصول المرخّصة بأحد المنشأين المذكورين سابقاً (تعارضها أو التناقض بين صدر الأدلّة و ذيلها) فالأصل المرخّص الجاري في الملاقي لا معارض له.
إن قلت: كيف يمكن التفكيك بين الملاقي و الملاقى في الحكم مع العلم باتّحادهما في الواقع؟
قلنا: إنّ عدم الفرق في مقام الواقع و الثبوت بين شيئين لا ينافي التفكيك بينهما في مقام الإثبات و الحكم الظاهري (كما ثبت في محلّه) نظير ما أفتى به المحقّقون من التفرقة بين الماء المشكوك الكرّية الذي لم يعلم حالتها السابقة، و الثوب النجس الملاقي به، فأفتوا ببقاء الماء