أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٢٩ - التنبيه الثاني خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء
نعم هذا بناءً على كون الأحكام الوضعيّة مجعولة بالأصالة كما هو المختار في محلّه، و أمّا لو قلنا بأنّها امور انتزاعيّة من الأحكام التكليفيّة و تكون مجعولة بتبع جعلها فيكون النقض وارداً لأنّه من المستغرب جدّاً أن يكون الخمر مثلًا نجساً بالنسبة إلى مكلّف و غير نجس بالنسبة إلى مكلّف آخر، بل لا معنى له مع فعليّة الحكم التكليفي بالنسبة إلى جميع المكلّفين و انحلاله بعددهم.
بقي هنا أمران:
الأمر الأوّل: إنّ شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) استدلّ في المقام برواية دم الرعاف المعروفة و هى ما رواه علي بن جعفر ٧ عن أخيه أبي الحسن موسى بن جعفر ٧ قال: سألته عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعاً صغاراً فأصاب إناءه، هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال: إن لم يكن شيئاً يستبين في الماء فلا بأس و إن كان شيئاً بيّناً فلا تتوضّأ منه».
و حيث إنّ مقتضى ظاهر هذه الرواية عدم تنجّس الماء بالدم القليل و المشهور بين الفقهاء عدم الفرق بين القليل و الكثير وقعوا في مقام توجيه هذه الرواية في حيص و بيص (بعد أن التزم شيخ الطائفة (رحمه الله) بظاهرها فقال بعدم تنجيس ما لا يدركه الطرف لاستهلاكه في الماء) و ذكروا لها وجوهاً:
منها: المناقشة في سندها لوجود بعض المجاهيل فيه.
و اجيب عنه بالمنع في طريق الكافي، و يمكن الجواب عنه أيضاً بأنّ صاحب الوسائل رواها عن كتاب علي بن جعفر، و الظاهر أنّ كتابه كان عنده.
و منها: أنّ التفرقة بين الاستبانة و عدم الاستبانة فيها إشارة إلى صورة العلم و صورة الشكّ فلم تأت هذه الرواية بشيء جديد.
و فيه: إنّه خلاف ظاهرها و خلاف التعبير ب «أصاب إناءه» حيث إنّ صريحه أنّ أصل الإصابة معلوم في كلتا الصورتين.
و منها: إنّ المراد في صورة عدم الاستبانة هو الأجزاء الصغيرة من الدم التي لا ترى بغير المنظار كالأجزاء البولية الصغار الموجودة في البخار الحاصل منه.