أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٩ - الثاني الروايات
الأوّل: أنّ وجوب الاحتياط إمّا أن يكون مقدّمياً، أي وجب الاحتياط لأجل التحرّز عن العقاب على الحكم الواقعي المجهول، أو يكون نفسياً لوجود ملاك في نفس الاحتراز عن الشبهة مع الغضّ عن الحكم الواقعي المجهول، و الأوّل مستلزم لترتّب العقاب على التكليف المجهول، و هو مخالف لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و الثاني يستلزم ترتّب العقاب على مخالفة نفس وجوب الاحتياط لا مخالفة الواقع مع أنّ صريح الأخبار إرادة الهلكة الموجودة على تقدير الحرمة الواقعيّة كما يعترف به الأخباري أيضاً.
و أجاب المحقّق الخراساني (رحمه الله) عن هذا الوجه بأنّ إيجاب الاحتياط لا نفسي و لا مقدّمي بل يكون طريقيّاً من قبيل الأمر بالطرق و الأمارات و بعض الاصول كالاستصحاب، و معه لا يحكم العقل بقبح العقاب، أي وجوب الاحتياط يكون حينئذٍ وارداً على قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
أقول: بناءً على ما اخترناه من كون القاعدة عقلائيّة (لا عقليّة) يكون الجواب أوضح، لأنّها حينئذٍ إنّما تكون حجّة فيما إذا لم يردع الشارع عنها، و أدلّة الاحتياط على فرض دلالتها ردع عنها.
الثاني: أنّ المراد من الهلكة إمّا أن يكون العقوبة الاخرويّة فهى مندفعة بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو يكون المراد منها الهلكة الدنيوية فلا يستفاد منها الوجوب.
و يمكن الجواب عن هذا الوجه أيضاً بنفس ما اجيب به عن الوجه السابق، و هو أنّ المراد منها الهلكة الاخروية، و لا تجري حينئذٍ قاعدة قبح العقاب بلا بيان لأنّ أدلّة الاحتياط بنفسها بيان على فرض دلالتها.
الثالث: ما ذكره المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) و حاصله: أنّ روايات التوقّف عند الشبهة وردت في موردين خارجين عن موضع استدلال الأخباري:
أحدهما ما ورد في باب المرجّحات عند تعارض الخبرين، و هو مقبولة عمر بن حنظلة فورد فيها: فقلت جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً؟ قال: «ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر»، قلت: فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعاً؟ قال:
«إذا كان ذلك فارجئه حتّى تلقى إمامك فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» [١].
[١] وسائل الشيعة: الباب ٩، من أبواب صفات القاضي، ح ١.