أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦٩ - الكلام في أصالة عدم التذكية
السابق إلّا من باب العدم الأزلي فتجري حينئذٍ أصالة الطهارة بلا مانع بناءً على ما هو المختار من عدم حجّية أصل العدم الأزلي.
و على الثالث: فلا إشكال أيضاً في عدم جريانها لأنّ التذكية و هى خصوص الذبح الشرعي حاصلة بالوجدان و الشكّ إنّما هو في حصول بعض شرائطها.
و المحقّق النائيني (رحمه الله) اختار المعنى الثالث لقوله تعالى: «إِلّا مَا ذَكَّيْتُمْ» إذ إنّ نسبة التذكية إلى الفاعلين تدلّ على أنّها من فعلهم [١].
و لكن يرد عليه: أنّ إسناد الفعل إلى الجزء الأخير من العلّة إسناد شائع، و هذا يناسب المعنى الثاني أيضاً، نعم إنّ أصل مدّعاه تامّ لعدم وجود حقيقة شرعيّة في معنى التذكية، فتحمل على معناها العرفي، و لا إشكال في أنّ مدلولها العرفي إنّما هو المعنى الثالث لأنّ أصلها الذكاء (بالذال) لا الزكاء (بالزاء) كما وقع الخلط بينهما في كلمات بعض الأعاظم، ففي مفردات الراغب:
التذكية (بالذال) في الأصل بمعنى الإضاءة و ذكّيت الشاة ذبحتها، و حقيقة التذكية إخراج الحرارة الغريزيّة، بينما التزكية (بالزاء) بمعنى النموّ و البركة و التطهير.
و بالجملة المرجع في المقام هو المعنى العرفي لعدم حقيقة شرعية لها (و ما جاء في الشريعة من بعض الشروط فهو خارج عن حقيقتها) و المعنى العرفي إنّما هو المعنى الثالث، وعليه لا تجري أصالة عدم التذكية لأنّها حاصلة بالوجدان.
بقي هنا أمران:
الأوّل: أنّه قد ذكر في كلمات بعضهم أصل آخر يتوهّم حكومته على أصالة الحلّية، و هو استصحاب الحرمة في حال الحياة.
و لكن يمكن الجواب عنه بأمرين:
أحدهما: عدم اتّحاد القضيّة المتيقّنة مع القضية المشكوكة في المقام، لأنّ الموضوع في الاولى هو الحيوان الحيّ، و في الثانية الحيوان الميّت، و لعلّ الحياة مقوّمة لحرمة الأكل.
ثانيهما: حرمة الأكل في حال الحياة أوّل الكلام لأنّ أكل الحيوان حيّاً غير ممكن إلّا فيما هو صغير جدّاً كالسمكة الصغيرة التي يمكن بلعها لدفع بعض الأمراض على ما هو المعروف
[١] راجع فوائد الاصول: ج ٣، ص ٣٨٢.