أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦٢ - هل الأصل في الأشياء الحظر أو الإباحة؟
كانت من قبيل البيّنة و الظنّ المعتبر أو القطع و اليقين كما سيأتي تفصيله في محلّه إن شاء اللَّه تعالى.
هل الأصل في الأشياء الحظر أو الإباحة؟
الوجه الثاني: أنّ الأصل في الأشياء في غير الضروريات الحظر، فإن ورد من الشرع دليل على جوازه فهو، و إلّا فيبقى على ممنوعيته.
توضيح ذلك: أنّ مسألة الحظر أو الإباحة في الأشياء مسألة تلاحظ بلحاظ ما قبل الشرع المقدّس أو مع قطع النظر عنه خلافاً لأصالة البراءة و الاحتياط اللتين تلاحظان بلحاظ بعد الشرع، و حينئذٍ نقول: إذا راجعنا إلى العقل و أحكامه بالنسبة إلى قبل الشرع نجد أنّ الأفعال على ثلاثة أقسام فبعضها من المستقلّات العقليّة يرجع حكمها إلى الحسن و القبح العقليين، و بعضها الآخر يكون من الضروريات كالتنفّس و سدّ الرمق، و قسم ثالث لا يكون من القسم الأوّل و لا من الثاني من قبيل شمّ الرياحين و أكل الفواكه و غيرهما من الرفاهيات ما لم تصبح أمراً ضرورياً، ففي هذا القسم هل يحكم العقل بالإباحة أو يحكم بالحظر. فيه أربعة أقوال:
١- القول بالإباحة و هو المشهور بين القدماء.
٢- الحظر.
٣- عدم الحكم، أي يحكم العقل بخلوّها عن الحكم مطلقاً، و قد نقل هذا عن الحاجبي.
٤- التوقّف عن الحكم، قال به الأشعري.
ثمّ إنّ الفرق بين أصالة الحظر و أصالة الاحتياط، أو الفرق بين أصالة الإباحة و البراءة يتلخّص في امور:
الأوّل: ما أشرنا إليه آنفاً من أنّ الحظر أو الإباحة تلحظ بما قبل الشرع أو مع قطع النظر عن الشرع و الاحتياط أو البراءة تلحظ بالنسبة إلى ما بعد الشرع.
الثاني: أنّ الحكم في الأوّل واقعي، فمفاد أصالة الحظر أو الإباحة أنّ الشيء الفلاني ممنوع أو مباح واقعاً، بينما الحكم في الثاني ظاهري، فيترتّب العقاب على ترك الاحتياط مثلًا في صورة الإصابة إلى الواقع لا مطلقاً.