أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٩٤ - ١- جواز التقليد للعامي
في علم الطبّ و المعمار في بناء داره مثلًا، و هكذا في غيرها ممّا يحتاج إليه في امور معاشه، بل و في موضوعات أحكام معاده، و كثيراً ما يتّفق أنّ عدّة من طلّاب العلوم مثلًا يتعلّم كلّ واحد منهم علماً خاصّاً و يصير متخصّصاً في ذلك و في نفس الوقت يقلّد كلّ واحد من أصحابه في علمه الخاصّ به، فيكون كلّ منهم متخصّصاً في علم واحد و مقلّداً في سائر العلوم.
و لذلك نقول: إنّ ما يدور في الألسنة في يومنا هذا من وجوب التحقيق في المسائل الشرعيّة الفرعيّة على كلّ أحد و لا معنى للتقليد فيها بعد إمكان التحقيق، كلام شعري أو هتاف سياسي، بل الأخباري المنكر للتقليد أيضاً إمّا أن ينكره باللسان و قلبه مطمئن بالإيمان، أو يكون إنكاره من باب الخلط بين الاجتهاد بالمعنى العامّ و الاجتهاد بالمعنى الخاصّ كما مرّ بيانه آنفاً.
ثمّ إنّه لا بأس أن نشير هنا إلى أنّ هذا البناء للعقلاء يكون في الواقع ناشئاً من انسداد صغير فإنّهم يلاحظون في الأموال مثلًا أنّهم لو اعتمدوا فيه على العلم فقط و أنكروا حجّية اليد على الملكيّة لانسدّ باب العلم في هذا المقام و إن كان مفتوحاً في الأبواب و الموارد الاخرى، و لذلك يعتبرون حجّية كثير من الاصول و القواعد كقاعدة اليد و غيرها، و هذه هى النكتة التي أشار إليها المحقّق الخراساني (رحمه الله) بقوله: «و إلّا لانسدّ باب العلم على العامي».
الأمر الثاني: الاستدلال بالكتاب العزيز بجملة من الآيات:
منها: آية النفر، و قد مرّ الكلام فيه تفصيلًا في مبحث حجّية خبر الواحد، و ينبغي هنا أن نشير إلى نكتة منها فقط، و هى أنّ هذه الآية ناظرة إلى باب الاجتهاد و التقليد لا باب الرواية، فإنّ التفقّه الوارد فيها بمعنى الاجتهاد و الاستنباط عن نظر و بصيرة، و إلّا ربّ حامل رواية وفقه إلى من هو أفقه منه، كما أنّ الإنذار أيضاً من وظائف و شئون المجتهد لا الراوي، أي إنّما يقدر على الإنذار من كان بصيراً بالحكم الإلهي، و عالماً متيقّناً به، و قادراً على تمييز الواجب عن المستحبّ، و ناظراً في الحلال و الحرام، و قد مرّ أيضاً أنّ كلمة «لعلّ» فيها كناية عن الوجوب، و إلّا فمادّة الحذر و ماهيته لا تقبل الاستحباب كما لا يخفى.
نعم، هاهنا إشكالان لو أمكن دفعهما كان الاستدلال بالآية في المقام تامّاً و إلّا فلا:
أحدهما: أنّ الآية لا اطلاق لها حتّى تشمل صورة العلم و عدمه فلعلّ المقصود من قوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» خصوص ما إذا حصل من الإنذار العلم و اليقين بحكم اللَّه فلا يعمّ