أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٩٢ - المقام الثاني فى مباحث التقليد
فقهيّة، و ذلك لأنّه أمر حادث في مصطلح الفقهاء لم يرد في آية و لا رواية و لا معقد إجماع إلّا في مرسلة الاحتجاج عن أبي محمّد العسكري ٧: «فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه» [١].
لكنّها مضافاً إلى ضعفها من ناحية السند مؤيّدة لما ذكرنا لأنّ الذمّ الوارد فيها إنّما هو على عملهم بفتاوي من لا يوثق به من علماء أهل الكتاب.
نعم، عن محمّد بن عبيدة قال: قال لي أبو الحسن ٧: «يا محمّد أنتم أشدّ تقليداً أم المرجئة؟ قال: قلت: قلّدنا و قلّدوا، فقال: لم أسألك عن هذا، فلم يكن عندي جواب أكثر من الجواب الأوّل، فقال أبو الحسن ٧: أنّ المرجئة نصبت رجلًا لم تفرض طاعته و قلّدوه، و أنّكم نصبتم رجلًا و فرضتم طاعته ثمّ لم تقلّدوه، فهم أشدّ منكم تقليداً» [٢].
و لكنّها- مع قطع النظر عن وجود سهل بن زياد في سندها- أيضاً خارجة عن محلّ البحث و هو التقليد عن غير المعصوم، مضافاً إلى أنّه ظاهر أيضاً في كون التقليد هو العمل لأنّ شكوى الإمام ٧ إنّما هو على ترك العمل بأقواله و هداياته.
و هكذا ما جاء في بعض معاقد الإجماعات من أنّه «لا يجوز تقليد الميّت إجماعاً» لأنّه سيأتي أنّ الإجماع في باب التقليد لا أقلّ من كونه محتمل المدرك، فالظاهر أنّ منشأه هو بناء العقلاء، مضافاً إلى كونه من إجماع المتأخّرين الذي لا يكشف عن قول المعصوم ٧ تعبّداً.
و ربّما يقال: إنّ ثمرة البحث عن مفهوم التقليد تظهر في مسألتي البقاء على تقليد الميّت، و العدول من حي إلى غيره، فإنّا إذا فسّرناه بالالتزام و فرضنا أنّ المكلّف التزم بالعمل بفتوى مجتهد ثمّ مات ذلك المجتهد فله أن يعمل على فتاواه لأنّه من قبيل البقاء على تقليد الميّت، و ليس تقليداً ابتدائياً له، و هذا بخلاف ما إذا فسّرناه بالاستناد إلى فتوى المجتهد في مقام العمل لأنّه حينئذٍ من قبيل تقليد الميّت ابتداءً لعدم استناد المكلّف إلى شيء من فتاوي المجتهد الميّت حال حياته في مقام العمل.
و هكذا في مسألة العدول من حي إلى غيره، لأنّه إذا التزم بالعمل بفتيا مجتهد، و فسّرنا التقليد بالالتزام حرّم عليه العدول عن تقليده لأنّه قد قلّده تقليداً صحيحاً و لا مرخّص له
[١] وسائل الشيعة: الباب ١٠، من أبواب صفات القاضي، ح ٢٠.
[٢] المصدر السابق: