أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٩١ - المقام الثاني فى مباحث التقليد
ثمّ إنّ القائلين بأنّ التقليد عبارة عن الالتزام القلبي أو الأخذ بالفتوى فعمدة الدليل عليه عندهم: أوّلًا: ما جاء في كلمات المحقّق الخراساني (رحمه الله) و غيره من إشكال الدور، ببيان: أنّه لا بدّ أن يكون العمل عن تقليد، فيكون التقليد في رتبة سابقة على العمل، فلو كان التقليد عبارة عن العمل فيكون في رتبة متأخّرة عنه، فيلزم منه الدور و تقديم ما حقّه التأخير.
و إن شئت قلت: أنّ وقوع العبادة في الخارج هو ممّا يتوقّف على قصد القربة، و قصد القربة على ثبوت كونها عبادة، و ثبوت ذلك للعامي ممّا يتوقّف على التقليد، فلو كانت التقليد هو العمل، أي وقوع العبادة في الخارج، لتوقّف وقوعها في الخارج على وقوعها في الخارج، و هو دور واضح.
ثانياً: أنّ التقليد سابق على العمل، فلو كان التقليد هو نفس العمل لكان العمل الأوّل بلا تقليد.
ثالثاً: أنّ التقليد في اللغة جعل القلادة على عنق المقلِّد، و لا إشكال في أنّه يتحقّق بالالتزام و إن لم يعمل بعد.
و الجواب عن الأوّل: أنّه لم يرد في آية و لا رواية من أنّه لا بدّ أن يكون العمل عن تقليد و مسبوقاً بالتقليد و ناشئاً عنه كي يجب أن يكون التقليد سابقاً على العمل، بل الذي يجب على المقلّد إنّما هو العمل بقول المجتهد و الأخذ بكلامه، فلو عمل بقوله فقد صدق أنّه قلّده و إن لم يصدق أنّه عمل عن تقليد.
و بعبارة اخرى: أنّه قد وقع الخلط بين التقليد و الحجّة، فإنّ ما يجب على المقلّد إنّما هو إتيان العمل عن حجّة، و التقليد عبارة عن العمل عن حجّة، لأنّا نقول: لا بدّ أن يكون المكلّف في أعماله و عباداته إمّا مجتهداً أو محتاطاً أو مقلّداً، و لا نقول: لا بدّ أن يكون عمله عن تقليد، و حينئذٍ يكون علمه الأوّل أيضاً مع التقليد و ينطبق عليه عنوانه، لأنّه أيضاً يكون عن حجّة و دليل، و بهذا يظهر الجواب عن الدليل الثاني.
و أمّا الدليل الثالث ففيه: ما مرّ من معنى التقليد في اللغة، فإنّه ليس عبارة عن جعل القلادة على عنق المقلّد، بل هو عبارة عن جعل قلادة المسئولية على عنق المجتهد و لا يحصل ذلك إلّا بعد العمل.
و العمدة في المقام و الذي يسهّل الخطب أنّ التكلّم في مفهوم التقليد لا يترتّب عليه ثمرة