أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٥١ - أحدها جواز عمل المجتهد المتجزّى برأيه
معقّدة، و هكذا في القدرة على الطبابة، فإنّها تبتدأ من المعالجات البسيطة إلى مراحل معقّدة عميقة، بل قد يكون الاجتهاد المطلق في بعض العلوم الجديدة كالطب من المحالات، فإنّ كلّ طبيب يمكن له أن يجتهد و يستنبط في مجال خاصّ من الطبابة.
إن قلت: إنّ قياس ملكة الاجتهاد في المسائل الفقهيّة بسائر الملكات مع الفارق، لأنّ مدارك الاستنباط و اصوله و قواعده في باب من الفقه متّحدة مع الاصول الجارية في أبواب اخر.
قلنا: أنّه كذلك، و لكن يمكن التفكيك في المسائل الاصوليّة أيضاً من حيث الصعوبة و السهولة، فيتطرّق التقسيم و التجزّي فيها، و لا إشكال حينئذٍ في ورود التجزّي إلى المسائل الفقهيّة التي تنطبق عليها، فمثلًا مسألة اجتماع الأمر و النهي من المسائل المشكلة في الاصول، و من لا يقدر على حلّها و الاجتهاد فيها لا يقدر على حلّ ما يرتبط بها من الفروعات الفقهيّة في باب الصّلاة و الصوم و الحجّ و غيرها. هذا أوّلًا.
و ثانياً: قد مرّ أنّ الإحاطة بعلم الاصول وحده لا تكفي لحصول ملكة الاجتهاد، بل لا بدّ من التمرين و الممارسة، و لا ريب في أنّ للممارسة مراحل مختلفة و درجات متفاوتة، و بحسبها يتجزّأ الاجتهاد في الفقه، و هذا هو ما ذكرنا من أنّ الاجتهاد المطلق يستحيل عادةً من دون العبور عن الاجتهاد المتجزّي.
و قد يقال: إنّ الوصول إلى الاجتهاد المطلق من دون طيّ مرحلة التجزّي يلزم منه الطفرة التي قضى العقل ببطلانها.
و لكن يمكن الجواب عنه: أنّ المراد من الطفرة تقديم ما هو في رتبة متأخّرة أو بالعكس، كتقديم ذي المقدّمة على المقدّمة، و المعلول على العلّة، و مثل رفع الأقدام المتأخّرة قبل الاقدام المتقدّمة في العلل الأعدادية، فهى تتصوّر فيما إذا كان هناك ترتيب عقلًا، و هو مفقود في ما نحن فيه.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يبحث في أحكام المجتهد المتجزّي عن امور ثلاثة:
أحدها: جواز عمل المجتهد المتجزّى برأيه
و التحقيق فيه التفكيك بين صورتين: