أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٤٢ - الأمر الثالث موارد النزاع بين الأخباري و الاصولي
بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ... أم أنزل اللَّه سبحانه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه، أم كانوا شركاء للَّه فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى، أم أنزل اللَّه سبحانه ديناً تامّاً فقصر الرسول ٦ عن تبليغه و أدائه، و اللَّه سبحانه يقول: «ما فرّطنا في الكتاب من شيء ...».
و لا يخفى أنّ هذا البيان و كذلك غيره من الأخبار التي وردت في ذمّ هذا النوع من الاجتهاد من سائر الأئمّة المعصومين :- في الواقع دفاع عن كيان الدين و أساس الشريعة و التأكيد على كمالها و عدم النقص فيها.
فقد ظهر ممّا ذكرنا بطلان القسم الثاني من الاجتهاد، و لعلّ الخلط بين القسمين صار منشأً لمعارضة الأخباريين مع الاصوليين، و إلّا فإنّ الاجتهاد بالمعنى الأعمّ يعمل به الأخباري أيضاً في المجالات المختلفة من الفقه، و إن شئت فراجع إلى كتاب الحدائق حتّى تلاحظ كونه اجتهاد و استنباط من المحدّث البحراني من أوّله إلى آخره، و كذا غيره من أشباهه.
الأمر الثالث: موارد النزاع بين الأخباري و الاصولي
و يرجع تاريخ هذا النزاع إلى أوائل القرن الحادي عشر على يد الميرزا محمّد أمين الاسترابادي (رحمه الله) صاحب كتاب الفوائد المدنية (و إن كانت بذوره موجودة من قبل في كلمات جمع من المحدّثين المتقدّمين) فابتدأ النزاع منه، ثمّ استمرّ إلى القرن الثاني عشر، و استبان الحقّ فيه تدريجاً.
و عمدة محلّ الخلاف بين الطائفتين امور ثلاثة:
١- مسألة جواز الاجتهاد.
٢- حجّية العقل.
٣- تقليد العوام المجتهدين.
أمّا المورد الأوّل: فقد أشرنا سابقاً إلى أنّ الأخباري أيضاً يستنبط الحكم من أدلّته و يجتهد على نحو الاجتهاد بالمعنى العام في مقام العمل، كما أنّ الاصولي أيضاً يخالف الاجتهاد بالمعنى الخاصّ، فالنزاع بينهم في هذا المجال كأنّه نشأ من مناقشة لفظية و اشتراك لفظي أو معنوي في كلمة الاجتهاد أو الرأي أو الظنّ، فإنّ للاجتهاد معنيين: المعنى العام و المعنى الخاصّ (و قد مرّ تعريفهما و بيان المقصود من كلّ واحد منهما) كما أنّ للعمل بالظنّ و هكذا العمل بالرأي أيضاً معنيين، فهما عند الاصوليين بمعنى العمل بالأمارات المعتبرة و ظواهر الكتاب و السنّة،