أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٤٠ - الأمر الثاني الاجتهاد بالمعني العام و الاجتهاد بالمعنى الخاصّ
فالعقول» [١]، و هكذا جمعت مدرسة أهل البيت : بين حماية الشريعة من فكرة النقص و حماية العقل من مصادرة الجامدين (انتهى) [٢].
و من هنا يتّضح أنّهم لما ذا سدّوا باب الاجتهاد في النهاية فإنّ هذا التفريط من نتائج ذلك الإفراط و لوازمه القهرية كما لا يخفى.
و كيف كان، لا بدّ من تحديد نظر علماء الإماميّة في هذا المجال و أنّهم لما ذا ردّوا هذا النوع من الاجتهاد بل حملوا عليه حملة شديدة فنقول: إنّه يمكن الاستناد في بطلانه إلى وجوه شتّى:
الأوّل: ما يدلّ من آيات الكتاب العزيز على أنّه لا واقعة إلّا و لها حكم و بيان في القرآن الكريم نظير قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي» [٣] و قوله تعالى: «وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ» [٤] (و المراد من «كلّ شيء» كلّ ما له دخل في هداية نفوس الإنسان و تربيتها).
الثاني: الأخذ بحديث الثقلين فإنّ أحدهما هو عترة الرسول :، و مع وجودهم لا يحسّ فقدان نصّ، لأنّ ما كان يصدر منهم كان من جانب الرسول ٦ لا من عند أنفسهم فكان البيان الشرعي لا يزال مستمرّاً باستمرار الأئمّة، و فقهاء العامّة حيث إنّهم كانوا يعتقدون بأنّ البيان الشرعي متمثّل في الكتاب و السنّة النبويّة المأثورة عن الرسول فقط، و هما لا يفيان إلّا بشيء قليل من حاجات الاستنباط- بل حكي عن أبي حنيفة (الذي كان على رأس مذهب الاجتهاد بالمعنى الخاصّ أو من روّاده الأوّلين) أنّه لم يكن عنده من الأخبار الصحيحة المنقولة عن النبي ٦ إلّا خمسة و عشرون حديثاً- التجئوا لرفع هذه الحاجات إلى هذا النوع من الاجتهاد لإحساسهم خلأً قانونياً في الشريعة و نقصاناً في الأحكام الفرعية لا بدّ في رفعه إلى التمسّك بذيل القياس و نحوه.
الثالث: روايات متواترة تدلّ على أنّه ما من شيء تحتاج إليه الامّة إلى يوم القيامة إلّا
[١] اصول الكافي: ج ١، ص ١٣ ح ١٢.
[٢] المعالم الجديدة للمحقّق الشهيد محمّد باقر الصدر (قدّس اللَّه نفسه الزكية) و شكر اللَّه مساعيه الجميلة: ص ٤١.
[٣] سورة المائدة: الآية ٣.
[٤] سورة النحل: الآية ٨٩.