أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٣٨ - الأمر الثاني الاجتهاد بالمعني العام و الاجتهاد بالمعنى الخاصّ
مصلحة صالحة لأن يبنى عليها الاستنباط» [١].
بل قد يرى من بعضهم التعدّي عنه و القول به حتّى في مقابل النصّ، و لعلّ أوّل من أسّسه إنّما هو الخليفة الثاني في قصّة المتعتين المعروفة، ثمّ انحصر عند متأخّريهم في خصوص السياسيات و المعاملات، فذهب جماعة منهم إلى جواز الاجتهاد فيهما حتّى فيما فيه نصّ.
فذهب الطوفي من علماء الحنابلة إلى أنّ المصالح تتقدّم في السياسيات الدنيوية و المعاملات على ما يعارضها من النصوص عند تعذّر الجمع بينهما [٢]، (و لكن لم يوافقه على هذا المعنى كثير منهم).
نعم خالفهم في هذا النوع من الاجتهاد الشافعي بالنسبة إلى الاستصلاح و الاستحسان و قال: «إنّه لا استنباط بالاستصلاح، و من استصلح فقد شرّع كمن استحسن، و الاستصلاح كالاستحسان متابعة للهوى» [٣].
و بعضهم كالظاهريين خالفهم في القياس أيضاً و قالوا بأنّه بدعة» [٤].
و قد مرّ أنّ هذا هو منشأ التصويب عند الإمامية لأنّ عليه يكون كل فقيه قد أعطى حقّ التشريع و التقنين بحيث يكون حكم كلّ واحد منهم حكم اللَّه الواقعي، و لا يخفى أنّه أشدّ قبحاً و أكثر فساداً من المجالس التقنينيّة في يومنا هذا، حيث إنّ أمر التشريع فيها إنّما هو بيد جماعة تسمّى بشورى التقنين الذين يمثّلون بلداً واحداً و قطراً عظيماً، لا كل فرد من علمائهم و متخصّصيهم.
هذا مضافاً إلى ما يترتّب عليه من التوالي الفاسدة في مختلف أجواء العالم الإسلامي.
و لبعض المعاصرين (رحمه الله) كلام في هذا المقام نحبّ إيراده مع تلخيص منّا، و هو أنّ لهذا المذهب آثار سوء في مختلف مجالات الفكر يمكن أن تلخيصها في ثلاث مجالات:
الأوّل: في المجال الفقهي حيث صار منشأ لظهور المذهب الظاهري على يد داود بن علي
[١] الاصول العامّة: ص ٣٨٤.
[٢] المصدر السابق: ص ٣٨٤- ٣٨٥.
[٣] الاصول العامّة: ص ٣٨٥.
[٤] المصدر السابق: ص ٣٢١.