أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٢٨ - الأمر الثالث التعارض بين العامين من وجه
المتباينين الأخبار العلاجيّة و في العموم المطلق الجمع الدلالي).
و هو نظير ما إذا وردت مثلًا رواية تدلّ بإطلاقها على نجاسة عذرة كلّ ما لا يؤكل لحمه، و رواية اخرى تدلّ باطلاقها على طهارة عذرة كلّ طائر، فمادّة الاجتماع فيهما هو الطائر الذي لا يؤكل لحمه، فتتعارضان فيه و تدلّ إحداهما على نجاسته و الاخرى على طهارته، فهل المرجع فيه الأخبار العلاجية فإمّا أن ترجّح إحداهما على الاخرى عند وجود المرجّح أو يخيّر بينهما عند فقده، أو يكون المرجع الأصل الجاري فيه بعد فقد العمومات أو الإطلاقات؟
لا إشكال في عدم جريان المرجّحات الصدوريّة فيه، لأنّ المفروض أنّه يعمل بكلّ واحد منهما في مادّتي الافتراق، و معلوم أنّ الرجوع إلى المرجّحات الصدورية و ترجيح أحدهما على الآخر مستلزم لإسقاط الدليل في مادّة الاجتماع، فيلزم التبعّض و التجزئة في الصدور و السند، و بطلانه واضح.
و أمّا المرجّحات الجهتيّة و هكذا المرجّحات المضمونيّة (بناءً على عدم إرجاعها إلى المرجّحات الصدوريّة) فلا مانع من جريانها، لأنّ في مادّة الاجتماع يمكن الأخذ بإحداهما و ترجيحها على الاخرى لمكان التقية مثلًا، و في مادّة الافتراق يعمل بكلتيهما من دون أن يلزم محذور، لإمكان أن يكون الإمام ٧ في مقام بيان حكم اللَّه الواقعي بالإضافة إلى أصل الدليل، و في مقام التقيّة بالإضافة إلى اطلاقه.
هذا بالنسبة إلى الترجيح عند وجود المرجّح.
و أمّا التخيير عند فقد المرجّح فالمشهور على عدمه، فيتساقط الخبران حينئذٍ في مادّة الاجتماع عندهم، و يكون المرجع هو الأصل الجاري في المسألة، و نسب إلى المحقّق الطوسي (رحمه الله) التخيير، و ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله)، و استدلّ له بإطلاقات أدلّة التخيير.
و الإنصاف أنّ ما ذهب إليه المشهور هو الأقوى لانصراف أدلّة التخيير عن موارد العامين من وجه، فإنّ ظاهر قوله ٧: «فتخيّر أحدهما ودع الآخر» قبول أحدهما بتمامه و ترك الآخر بتمامه، لا قبول أحدهما و ترك بعض الآخر، فهى مختصّة بالمتباينين.
إلى هنا تمّ الكلام عن التعادل و التراجيح، و الحمد للَّه ربّ العالمين.