أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥١٠ - الأمر الثالث شمول التخيير أو الترجيح لموارد الجمع العرفي و عدمه
قوله تعالى: «وَ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ» فإنّه خصّص بأدلّة شرائط التقصير في السفر و هى كثيرة، و قوله تعالى: «وَ أَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ». بأدلّة خاصّة لشرائط نشر الحرمة بالرضاع، إلى غير ذلك من أشباهها، فلو جوّزنا اعمال المرجّحات بالنسبة إلى العام و الخاصّ و المطلق و المقيّد و فرضنا كون العام في مثل هذه الموارد ذا المزيّة كان اللازم رفض جميع هذه المخصّصات، و لا ريب في استلزامه لفقه جديد غير ما نعرفه.
و الإنصاف أنّه لم يقل به شيخ الطائفة أيضاً، حيث إنّ قوله في أوّل الاستبصار: «و إن كانا متساويين في العدالة و العدد و هما عاريان من جميع القرائن التي ذكرناها نُظر فإن كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالآخر على بعض الوجوه و ضرب من التأويل كان العمل به أولى من العمل بالآخر الذي يحتاج العمل به إلى طرح الخبر الآخر لأنّه يكون العامل به عاملًا بالخبرين معاً» [١] (و نظير هذا عبارته في عدّة الاصول) [٢] الظاهر في لزوم الجمع بين الخبرين متى أمكن، و إن وقع في عبارته بعد ذكر المرجّحات من حيث الترتيب، و لكنّه لا يدلّ على المقصود، لأنّ مراده من الجمع في هذه العبارة إنّما هو الجمع التبرّعي الذي لا شاهد له من العرف، فهو في الواقع قدّم الجمع التبرّعي على التخيير بناءً على ما اختاره من المبنى، فكأنّه يقول: بعد إعمال المرجّحات تصل النوبة إلى الجمع التبرّعي ثمّ إلى التخيير خلافاً لمذهب المشهور حيث لا قيمة لمثل هذا الجمع عندهم فتصل النوبة إلى التخيير بعد عدم المرجّحات.
و يشهد على هذا كلامه في مبحث العام و الخاصّ في عدّة الاصول: «قد يستشكل (في التخصيص) بأنّ الأخبار قد وردت في تقديم ما هو مخالف العامّة و موافق الكتاب، و هذا يقتضي تقديم العام لو كان هو الموافق للكتاب أو المخالف للعامّة.
و فيه: أنّ البحث منعقد لملاحظة العام و الخاصّ من حيث العموم و الخصوص لا بالنظر إلى المرجّحات الخارجيّة إذ قد يصير التجوّز في الخاصّ أولى من التخصيص في العام من جهة مرجّح خارجي» [٣].
[١] الاستبصار: ج ١، ص ٤، طبعة دار الكتب الإسلاميّة.
[٢] راجع عدّة الاصول: ج ١، ص ٦٠، طبعة مؤسسة آل البيت.
[٣] المصدر السابق: ص ٣١٨.