أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٠٦ - الأمر الأوّل الاقتصار على المرجحات المنصوصة و عدمه
منصوص العلّة، نعم وروده بصورة التعليل إنّما هو في مرسلة الكليني [١] في ديباجة الكافي، و الاعتماد عليها مشكل، لا سيّما بعد احتمال كونها مأخوذة عن المقبولة مع النقل بالمعنى.
هذا مضافاً إلى أنّ المراد من كون الرشد في خلافهم هو الاحتمال الغالب في الخبر الموافق من حيث التقيّة، و لكن حيث لا يعلم مقدار الغلبة هنا لا يمكن التعدّي إلى غيره ممّا لم يحرز فيه المقدار المذكور.
و ذكر المحقّق الخراساني (رحمه الله) احتمالًا آخر في معنى هذا التعليل لا يمكن المساعدة عليه، و هو أن يكون الرشد في نفس المخالفة لهم لحسنها و رجحانها موضوعياً.
و وجه عدم المساعدة أنّ هذا الاحتمال بعيد عن ظاهر الحديث غاية البعد، فإنّ معناه أن يكون لمجرّد المخالفة معهم موضوعيّة مع أنّ الرشد في اللغة ما يقابل الغيّ كما في الصحاح، فهو بمعنى الوصول إلى المقصد و الاهتداء في الطريق كما يشهد عليه قولهم للمسافر «راشداً مهدياً» بل قوله تعالى: «وَ هَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً» [٢] في قصّة أصحاب الكهف.
و أجاب المحقّق النائيني (رحمه الله) عن الاستدلال بهذا الحديث لجواز التعدّي بأنّ «التعليل لا ينطبق على ضابط منصوص العلّة» و لا يصلح أن يكون كبرى كلّية، لأنّ ضابط منصوص العلّة هو أن تكون العلّة على وجه يصحّ ورودها و إلقائها إلى المكلّفين ابتداءً بلا ضمّ المورد إليها كما في قوله: «الخمر حرام لأنّه مسكر» فإنّه يصحّ أن يقال «كلّ مسكر حرام» بلا ذكر الخمر، و هذا بخلاف قوله ٧ «فإنّ الرشد في خلافهم» فإنّه لا يصحّ أن يقال: «خذ بكلّ ما خالف العامّة» لأنّ كثيراً من الأحكام الحقّة توافق قول العامّة» [٣].
و لكن يرد عليه أيضاً أنّ الكبرى الكلّية المأخوذة من هذا الحديث ليس «خذ بكلّ ما خالف العامّة» حتّى يناقش فيه بما ذكر، بل المستفاد منه: «كلّ خبرين أحدهما موافق للعامّة و الآخر مخالف لهم فخذ بالخبر المخالف» و هذه كبرى كلّية يمكن الالتزام بها بلا ريب.
و أجاب المحقّق الحائري (رحمه الله) عن الاستدلال بهذا الدليل بما حاصله: أنّ هذا التعليل لا
[١] وسائل الشيعة: الباب ٩، من أبواب صفات القاضي، ح ١٩.
[٢] سورة الكهف: الآية ١٠.
[٣] فوائد الاصول: ج ٤، ص ٧٧٧، طبعة جماعة المدرّسين.