أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٠٥ - الأمر الأوّل الاقتصار على المرجحات المنصوصة و عدمه
الوجه الثاني: الترجيح بالأصدقية في المقبولة و الأوثقية في المرفوعة فإنّ اعتبار هاتين الصفتين ليس إلّا لترجيح الأقرب إلى مطابقة الواقع، أي مناط الترجيح بهما هو الأقربيّة إلى الصدور، ففي كلّ مورد تحقّق هذا المناط يكون موجباً للترجيح سواء كان من المرجّحات المنصوصة أو لم يكن.
و اجيب عنه أوّلًا، بأنّ هذا ليس إلّا الظنّ بأنّ المناط هى الأقربيّة إلى الصدور (و تنقيح المناط ما لم يكن قطعيّاً لا اعتبار به) لأنّه من الممكن أن يكون الترجيح بهما لخصوصية فيهما لا لصرف كونهما أقرب إلى الصدور، و بعبارة اخرى: أنّ مجرّد جعل شيء (فيه جهة الإراءة و الكشف) حجّة كخبر الصادق أو الثقة أو جعله مرجّحاً كالأصدقيّة و الأوثقيّة، لا دلالة فيه على أنّ الملاك فيه بتمامه جهة إراءته على نحو نقطع بذلك و نتيقّن به حتّى يكون من باب تنقيح المناط القطعي و يجوز التعدّي عن مورد النصّ، و ذلك لاحتمال دخل خصوصيّة ذلك الشيء في حجّيته أو مرجّحيته لا جهة إراءته فقط.
و ثانياً: بأنّه سلّمنا إحراز أنّ المناط هو الأقربيّة إلى الصدور، و لكنّه لا ريب في أنّ للأقربيّة مراتب مختلفة، و لعلّ جعل الأصدقيّة و الأوثقيّة مرجّحاً للخبر كان لأجل أنّ لهما درجة خاصّة من الأقربيّة التي لا يمكن إحرازها في غيرهما.
و ثالثاً: أنّ الترجيح بهاتين الصفتين لا يوجد إلّا في المقبولة و المرفوعة، و قد مرّ أنّ المرفوعة لا سند لها، و أمّا المقبولة فهذا المرجّح فيها ناظر إلى حال القضاة لا الرواة لأنّها تقول: «الحكم ما حكم به ...» و هذا مختصّ بباب الحكومة و القضاء، و لا ربط له بباب تعارض الخبرين.
الوجه الثالث: التعليل الوارد في الأخذ بما يخالف العامّة بأنّ «الرشد في خلافهم» حيث إنّه يدلّ على وجوب ترجيح كلّ ما كان معه أمارة الحقّ و الرشد، و ترك ما فيه مظنّة خلاف الحقّ و الصواب.
و يمكن أن يجاب عنه: بأنّه لم ترد هذه الفقرة بصورة التعليل في روايات الباب، فإنّ الوارد في المقبولة هو قوله «ما خالف العامّة ففيه الرشاد» و من الواضح أنّ هذا ليس من قبيل