أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨٥ - الأوّل الأخبار
و أمّا القول الثالث فاستدلّ المحقّق النائيني (رحمه الله) له بأنّ التخيير إذا كان في المسألة الفقهيّة كان كالتخيير بين القصر و الإتمام في المواطن الأربعة، فللمكلّف أن يعمل بمضمون أحد المتعارضين تارةً، و بمضمون الآخر اخرى، إلّا أن يقوم دليل على خلاف ذلك، و أمّا إذا كان التخيير في المسألة الاصوليّة فإنّ معناه هو التخيير في جعل أحد المعارضين حجّة شرعية و أخذ أحدهما طريقاً محرزاً للواقع، و لازم ذلك وجوب الفتوى بما اختاره أوّلًا و جعل مؤدّاه هو الحكم الكلّي الواقعي المتعلّق بأفعال المكلّفين فلا معنى لاختيار الآخر بعد ذلك [١].
أقول: الحقّ أنّه لا ملازمة بين القول بالتخيير في المسألة الاصوليّة و كونه بدويّاً، لإمكان جعل المجتهد مخيّراً في هذه المسألة مستمرّاً، كما أنّ الأمر في المسألة الفرعية أيضاً كذلك، إنّما الكلام بحسب مقام الإثبات و ظواهر أدلّة التخيير، فإن كانت هى إطلاقات السعة فهى ظاهرة في الاستمرار، و إن كانت هى مرفوعة زرارة فهى ظاهرة في التخيير البدوي، و لو شكّ في ذلك فقاعدة الاحتياط حاكمة بالتخيير البدوي لعين ما مرّ في المسألة السابقة التي دار أمرها بين التعيين و التخيير، هذا كلّه مع قطع النظر عمّا عرفت من لزوم المخالفة القطعيّة العمليّة التدريجية من التخيير الاستمراري.
المقام الثاني: في أخبار التراجيح
المشهور و المعروف وجوب أعمال المرجّحات قبل أن تصل النوبة إلى التخيير و ذهب بعض كالمحقّق الخراساني (رحمه الله) إلى عدم وجوبه، و الأقوى هو ما ذهب إليه المشهور، و يدلّ على ذلك امور:
الأوّل: الأخبار
فإنّها تأمر بالترجيح، و الأمر ظاهر في الوجوب و هى على طوائف:
الطائفة الاولى: ما يدلّ على أنّ المرجّحات أكثر من مرجّحين و هى عديدة:
[١] راجع فوائد الاصول: ج ٤، ص ٧٦٨، طبعة جماعة المدرّسين.