أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٥١ - الأمر الرابع عدم وجود التعارض بين العناوين الأوّلية و العناوين الثانويّة
و بهذا ينتفي الوجه الثالث و الرابع، و يدور الأمر بين الحكومة و الورود، و قد مرّ أنّ الحقّ ورود الأمارات على الاصول لأنّ الأمارة طريق إلى الواقع فيوجب رفع الحيرة و التردّد الذي هو معنى الشكّ المأخوذ في موضوع الاصول، و لو تنزّلنا عن ذلك فلا أقلّ من الحكومة، لما مرّ أيضاً من أنّ أدلّة الأمارات ناظرة إلى أدلّة الاصول و لو بمدلولها الالتزامي.
الأمر الرابع: عدم وجود التعارض بين العناوين الأوّلية و العناوين الثانويّة
لا إشكال في تقديم العناوين الثانويّة على العناوين الأوّلية و أنّه لا تعارض بينهما كما أشار إليه الشيخ الأعظم و المحقّق الخراساني (رحمه الله) في كلماتهما، و هو متفرّع على التعريف المذكور للتعارض، إذ إنّه بمعنى التنافر و التضادّ، و لا ريب في أنّه لا تضادّ بين أدلّة العنوانين، إنّما الكلام في وجه تقدّم الثاني على الأوّل.
فظاهر كلمات الشيخ الأعظم (رحمه الله) أنّه من باب الحكومة، بينما ظاهر كلمات المحقّق الخراساني (رحمه الله) أنّه من باب الجمع العرفي حيث قال: «أو كانا على نحو إذا عرضا على العرف وفّق بينهما بالتصرّف في خصوص أحدهما كما هو مطّرد في مثل الأدلّة المتكفّلة لبيان أحكام الموضوعات بعناوينها الأوّلية، مع مثل الأدلّة النافية للعسر و الحرج و الضرر و الإكراه و الاضطرار ممّا يتكفّل لأحكامها بعناوينها الثانوية».
و فصّل بعض المحشّين على الكفاية بين العناوين الثانويّة فقال في مثل الضرر و الحرج بالحكومة، و في مثل الشروط و النذور بالجمع العرفي، فالأقوال في المسألة ثلاثة.
و لا بدّ قبل الورود في أصل البحث من تعريف الأحكام الأوّليّة و الأحكام الثانويّة (و قد بحثناه تفصيلًا في كتاب المكاسب مبحث ولاية الفقيه)، فنقول: الأحكام الأوّليّة أحكام ترد على الموضوعات الخارجيّة مع قطع النظر عن الطوارئ و العوارض الخارجة عن طبيعتها كحكم الحرمة العارضة على عنوان الدم أو الميتة في قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ».
و الأحكام الثانوية ما يرد على الموضوعات الخارجيّة مع النظر إلى الطوارئ الخارجة عن ذاتها كحكم الحلّية العارضة على الميتة بما أنّها مضطرّ إليها.
و على هذا ليست نجاسة الماء في صورة تغيّر أحد أوصافه الثلاثة من الأحكام الثانويّة