أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٤٦ - الأمر الثاني تعريف التعارض
«التعادل و التراجيح» (بصيغة الجمع) و لا يخفى أنّ وجه هذا التفاوت في خصوص الجزء الثاني أنّ التعادل يكون بمعنى التساوي و هو قسم واحد لا يتصوّر فيه التعدّد، و أمّا الترجيح فحيث أنّ له أنواعاً مختلفة و جهات عديدة (كالترجيح من ناحية السند و الترجيح من ناحية الدلالة و هكذا الترجيح بالمرجّحات الخارجيّة) فتارةً يؤتى بلفظ المفرد و يراد منه جنس الترجيح حتّى يعمّ جميع أنواعه، و اخرى بلفظ الجمع، و الأمر سهل.
الأمر الثاني: تعريف التعارض
و هو في اللغة من التعرّض بمعنى البروز و الظهور، تعارضاً أي تظاهراً و تبارزاً، و منه المبارزة و التعبير ب «برز إليه»، حيث إنّ المبارزة و النزاع في ميدان الحرب يلازم بروز المقاتل و ظهوره في مقابل عدوّه.
و أمّا في الاصطلاح فقد عرّفه المحقّق الخراساني (رحمه الله) ب «تنافي الدليلين أو الأدلّة بحسب الدلالة، و في مقام الإثبات على وجه التناقض أو التضادّ حقيقة أو عرضاً بأن علم بكذب أحدهما إجمالًا مع عدم امتناع اجتماعهما أصلًا».
و التضادّ الحقيقي مثل ما إذا أمر أحد الدليلين بصلاة الجمعة و نهى الآخر عن إتيانها، و التضادّ العرضي مثل ما إذا أمر أحدهما بصلاة الجمعة و الآخر بصلاة الظهر في يوم الجمعة فإنّ وجوب كلّ من الظهر و الجمعة و إن لم يمتنع اجتماعهما ذاتاً و لكن حيث نعلم بالإجماع بل الضرورة بعدم وجوب أكثر من خمس صلوات في اليوم و الليلة فيتنافيان بالعرض.
و المراد من التناقض أن يقول أحدهما بوجوب صلاة الجمعة، و الآخر بعدم وجوبها، و من التضادّ أن يقول أحدهما بوجوب صلاة الجمعة و الآخر بحرمتها مثلًا.
و المراد من قوله «بحسب الدلالة و مقام الإثبات» نفس ما جاء في تعريف الشيخ الأعظم (رحمه الله)، و هو «تنافي الدليلين بحسب مدلولهما»، و ليس هذا عدولًا عن تعريف الشيخ (رحمه الله) من هذه الجهة كما ذهب إليه بعض الشرّاح للكفاية، حيث إنّه من الواضح أنّ التعارض عبارة عن تنافي مدلولي الدليلين (أي الوجوب و الحرمة) و إنّه لا تعارض بين الدلالتين.
أقول: و مع ذلك كلّه يرد على تعريف المحقّق الخراساني (رحمه الله) أوّلًا: أنّ قيد «بحسب الدلالة و مقام الإثبات» إضافي و من قبيل توضيح الواضح، لأنّ من الواضح أنّ التعبير بتعارض الأدلّة