أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤١٢ - التنبيه الرابع عشر استصحاب حكم المخصّص
أقول: الحقّ هو وجود الفرق بين العام الاستغراقي و العام المجموعي في المقام، و ما أرسله إرسال المسلّم في باب العام و الخاصّ في غير محلّه، و ذلك لأنّ العام في العموم الاستغراقي كلّي له أفراد كثيرة و يتعدّد الحكم فيه بتعدّد افراده فإذا خرج فرد واحد بقيت سائر الافراد على حالها.
بخلاف العموم المجموعي فإنّ العام فيه وجود واحد مستمرّ له أمر واحد، و تعلّق هذا الأمر بالمجموع بما هو مجموع، فإذا خرج جزء منه سقط الأمر المتعلّق بالمجموع، و لا أمر آخر يثبت الحكم به، و لذلك يكون مقتضى القاعدة في صيام شهر رمضان سقوط الصيام عن الوجوب إذا اضطرّ المكلّف بالأكل أو الشرب و لو في ساعة، إلّا أن يدلّ دليل خاصّ على بقاء الوجوب كما في ذي العطاش على قوله، و كما أنّه قد يقال بذلك في باب الصّلاة في فاقد الطهورين لأنّ المفروض أنّ الصّلاة و الطهارة كأمر واحد لا يمكن التفكيك بينهما.
و لذلك لا يتمسّك الفقهاء لإثبات بقاء الوجوب بعموم العام في هذه الموارد بل يستدلّون بقاعدة الميسور.
نعم إذا كان الخاصّ في العام المجموعي متّصلًا كما إذا قال: «أكرم مجموع العشرة إلّا زيداً» كان العموم بعد إخراج الفرد المخصّص باقياً على حاله، لأنّ العام ينعقد ظهوره في الباقي من الأوّل.
و خلاصة الكلام أنّ هاهنا أقساماً ثلاثة من العموم:
١- العموم الاستغراقي، كما إذا قال اوفوا بالعقود في كلّ يوم.
٢- العموم المجموعي، كما إذا قال: اوفوا بالعقود في مجموع الأيّام.
٣- العموم المستفاد من مقدّمات الحكمة و من طريق الاطلاق، كما أنّه كذلك في قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».
و قد ظهر ممّا ذكر ما هو الصحيح في القسم الأوّل و الثاني، و أمّا الثالث فلا يمكن الرجوع فيه إلى العام، و ذلك لأنّ العموم الأزماني هنا متفرّع على العموم الأفرادي فإذا دخل فرد من العقود تحت «اوفوا بالعقود» أمكن دعوى الاطلاق فيه من حيث الأزمان بمقدّمات الحكمة، و أمّا إذا خرج فرد منه و لو على بنحو الإبهام كما في خيار الغبن فلا يمكن دعوى الاطلاق فيه بعد ذلك، لأنّ دعوى الاطلاق فرع بقاء هذا العقد (العقد الغبني) تحت اوفوا بالعقود، فإذا خرج