أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٩١ - التنبيه الحادي عشر لزوم كون المستصحب حكماً شرعيّاً أو ذا حكم شرعي و لو بقاءً
القضايا الحقيقيّة، فلا يقين سابق بهذا العدم حتّى يمكن استصحابه.
قلنا: أوّلًا: إنشاء الأحكام كذلك في الأزل لغو لا يصدر من الشارع الحكيم.
ثانياً: وجود الأحكام على نهج القضايا الإنشائية الحقيقيّة في علم اللَّه من الأزل لا معنى محصّل له، لأنّ الإنشاء أمر حادث و وعاؤه الذهن، فلا بدّ فيه من وجود ذهن نبوي أو ولوي، و الذي كان اللَّه تبارك و تعالى عالماً به إنّما هو صدور الإنشاء من جانبه فيما بعد، لا أنّه صدر.
ثالثاً: يمكن دعوى الإجماع على عدم وجود هذه الأحكام حتّى بصورها الإنشائيّة في الأزل، بل قبل بعث النبي ٦، لأنّ الإجماع حاصل على نزول الأحكام تدريجياً، و القول بنزول القرآن عليه ٦ مرّتين: مرّة دفعيّاً و مرّة تدريجيّاً أيضاً لا ينافي ما ذكرنا فإنّه على كلّ حال أمر حادث بعد البعثة.
بقي هنا شيء:
و هو أنّه قد لا يمكن جريان استصحاب العدم الأزلي، لا لعدم تصوّره، بل لإشكال آخر، و ذلك في الشبهات الموضوعيّة فيما إذا كانت من قبيل العدم النعتي، أي فيما إذا كان الوصف قائماً بالغير بنحو كان الناقصة كقرشية المرأة، فلا يمكن استصحاب عدم قرشيتها، و على نحو كلّي لا يمكن جريان الاستصحاب في مفاد ليس الناقصة (و إن كان المعروف بين جماعة من الأعلام جريانه) و ذلك لما قد قرّر في محلّه من اعتبار وحدة القضيّة المتيقّنة و القضية المشكوكة، و هى ليست حاصلة في المقام، لأنّ القضية المتيقّنة فيه عبارة عن القضيّة السلبة بانتفاء الموضوع، و القضيّة المشكوكة سالبة بانتفاء المحمول، أي عدم قرشية هذه المرأة، و لا ريب في مغايرة إحدى القضيتين الاخرى في نظر العرف.
أضف إلى ذلك أنّ القضيّة السالبة بانتفاء الموضوع أمر غير معقول عند العرف، كما لا يخفى على الخبير، فلا يمكن عند العرف أن يقال: إنّ هذه المرأة لم تكن قرشية حين عدم وجودها فلتكن في الحال كذلك.
و هذا في الواقع يرجع إلى عدم وجود يقين سابق عرفاً، فأركان الاستصحاب حينئذٍ غير تامّة من جهتين.