أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٨٣ - المقام الرابع الفرق بين مثبتات الاصول و الأمارات
البيان الرابع: ما أفاده بعض الأعاظم في رسائله حيث قال: «أمّا وجه حجّية مثبتات الأمارات فهو أنّ جميع الأمارات الشرعيّة إنّما هى أمارات عقلائيّة أمضاها الشارع، و ليس فيها ما تكون حجّيتها بتأسيس من الشرع كظواهر الألفاظ و قول اللغوي على القول بحجّيته و خبر الثقة ... و معلوم أنّ بناء العقلاء على العمل بها إنّما هو لأجل إثباتها الواقع لا للتعبّد بالعمل بها، فإذا ثبت الواقع بها تثبت لوازمه و ملزوماته و ملازماته بعين الملاك الذي لنفسه فكما أنّ العلم بالشيء موجب للعلم بلوازمه و ملزوماته و ملازماته مطلقاً فكذلك الوثوق به موجب للوثوق بها ... و لو حاولنا إثبات حجّية الأمارات بالأدلّة النقليّة لما أمكن لنا إثبات حجّية مثبتاتها، بل و لا لوازمها الشرعيّة إذا كانت مع الواسطة الشرعيّة» [١].
و فيه: أوّلًا: أنّا نمنع الصغرى، و هى كون جميع الأمارات إمضائيّة، لأنّ بعض الأمارات كالقرعة لا إشكال في أنّها تأسيسيّة فيما إذا كان هناك واقع في البين و لم تكن القرعة لمجرّد حسم مادّة النزاع، كما هو كذلك غالباً، فإنّ المنساق من أدلّة حجّية القرعة في الشرع أنّها كاشفة عن الواقع غالباً أو دائماً إذا اجتمع فيها شرائطها، فقد ورد في الحديث النبوي: «ليس من قوم تقارعوا ثمّ فوّضوا أمرهم إلى اللَّه إلّا خرج السهم الأصوب» و كذا ما ورد في الدعاء المأثور عند إجراء القرعة: «اللهمّ ربّ السموات السبع أيّهم كان الحقّ له فأدّه إليه» و في رواية اخرى:
«اللهمّ أنت اللَّه لا إله إلّا أنت عالم الغيب و الشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون فبيّن لنا أمر هذا المولود» و كذا ما ورد في قضيّة يونس و قضيّة عبد المطّلب و غير ذلك من القرائن التي يغني تظافرها عن ملاحظة إسنادها، فمن جميع ذلك يعلم أنّ القرعة أمارة شرعيّة حيث لا أمارة، و يؤيّده ما ورد في أمر الاستخارة فإنّها نوع من القرعة يطلب منها الكشف عن المصالح الواقعيّة لا مجرّد رفع الحيرة [٢].
إن قلت: إذا كانت القرعة من الأمارات فلا بدّ من تقديمها على الاصول العمليّة مع أنّه لا يقول به أحد.
قلنا: المستفاد من ظواهر أدلّة القرعة أو صريحها أنّ كاشفيتها منحصرة بما إذا أشكل الأمر و سدّت أبواب الحلّ و طرق الفتح، و هذا لا يصدق إلّا فيما إذا لم توجد في البين أمارة و لا
[١] الرسائل: ج ١، ص ١٧٨.
[٢] و إن شئت توضيح الحال في جميع ذلك فارجع إلى القواعد الفقهيّة، القاعدة السادسة (قاعدة القرعة).