أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٦٥ - التنبيه السادس الاستصحاب التعليقي
كذلك لا يمكن المساعدة على ما ذكره المحقّق النائيني (رحمه الله) من إرجاع القيود إلى الموضوع (كالعصير المغلي و كالمستطيع في مسألة الحجّ).
فالصحيح في حلّ الإشكال تحليل ماهية الواجب المشروط، فنقول: قد مرّ في محلّه أنّ فيه مذهبين: مذهب الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) من أنّ القيود الموجودة في الواجب المشروط ترجع إلى الواجب لا الوجوب، أي أنّها ترجع إلى مفاد المادّة لا الهيئة، و لذلك ترجع عنده جميع الواجبات المشروطة إلى الواجبات المعلّقة في الواقع و اللبّ، و مذهب المشهور و هو أنّ القيود قيود للوجوب (لا الواجب) كما هو ظاهر القضيّة الشرطيّة، و لكن المعضلة الكبرى في هذا القول الذي يجب حلّها هو أنّ إنشاء الوجوب نوع من الإيجاد، و هو شيء أمره دائر بين النفي و الإثبات، فكيف يتصوّر فيه التعليق؟ و لذا ذهبوا إلى بطلان التعليق في العقود.
و قد مرّ منّا في محلّه من الواجب المشروط طريق لحلّ هذا الإشكال ممّا ينحلّ به إشكال التعليق في الإنشاء و إشكال الاستصحاب التعليقي في المقام أيضاً، و حاصله: أنّ الأحكام على قسمين: قسم منها تنجيزي كقولك لزيد: «اذهب إلى السوق»، و قسم منها تعليقي، و هو ما يصدر بعد فرض شيء كقولك: «إن جاءك زيد فأكرمه»، فالقضيّة الشرطيّة عبارة عن إنشاء حكم بعد فرض خاصّ، و هو مفاد إنّ الشرطيّة أو كلمة «اگر» في اللغة الفارسية عند مراجعة الوجدان، فقولك: «إن جاءك زيد فأكرمه» عبارة اخرى عن قولك: «يجب عليك إكرام زيد على فرض مجيئه» فالقيد و هو مجيء زيد راجع إلى مفاد الهيئة و هو وجوب الإكرام، لا مفاد المادّة و هو نفس الإكرام.
و إن شئت قلت: المتكلّم قد يرى أنّ زيداً قد قدم فيقول: «قم يا غلام و أكرمه» و اخرى يعلم أنّ زيداً لم يجيء بعد، و لكن يتصوّر و يفرض قدومه فيُظهر شوقه إلى إكرامه حينئذٍ، فينشئ وجوب الإكرام في هذا الفرض الذي هو مفاد «ان» و «اگر»، فيقول: «إن جاءك زيد فأكرمه»، فليس هناك تعليق في إنشائه، كما أنّه ليس هناك إنشاء فعلي، بل هو إنشاء بعد فرض، فلذا لا أثر له إلّا بعد تحقّق ذاك الفرض، فإنّ هذا هو المعنى المعقول في القضيّة الشرطيّة.
و لذلك قلنا في محلّه أنّ التعليق في العقود ليس بمحال عقلًا بل هو من قبيل القضيّة الشرطيّة فيمكن أن يقال: «بعتك إن جاءك زيد» فيكون هو تمليكاً على فرض، نعم المانع من صحّته الإجماع أو عدم كون مثل هذا العقد عقلائياً، و بهذا يظهر أنّ للحكم التعليقي (أي الحكم على فرض) أيضاً حظّ من الوجود فيمكن أن يستصحب.