أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٤ - المقام الثاني في كيفية دلالة الحديث على المطلوب
برفع منشأها، و هو الوجوب الواقعي.
و يمكن أن يقال أيضاً: أنّ حكم العقل في المقام إنّما هو استحقاق المؤاخذة لا فعليتها إذ إنّ الفعليّة من شئون الشارع و المقنّن، و لذا نرى صدور أحكام العفو من الولاة و الحكّام و من بيده رحى التشريع و التقنين في كثير من الأحايين و الشارع المقدّس أولى منهم بذلك.
الأمر السادس: الآثار المترتّبة على الخطأ و النسيان و سائر العناوين الواردة في الحديث الشريف على قسمين: منها ما يترتّب عليها بما هى هى، أي يترتّب على العناوين الثانوية كعنوان الخطأ و النسيان، و منها ما يترتّب على متعلّقاتها الخارجيّة أي على العناوين الأوّلية، فإنّ الآثار المترتّبة على نسيان السورة مثلًا على قسمين: قسم يترتّب على نفس السورة كبطلان الصّلاة بتركها، و قسم يترتّب عليه بما أنّها متعلّقة للنسيان كسجدتي السهو، و المقصود من الآثار المرفوعة بحديث الرفع إنّما هو القسم الأوّل لا الثاني، و إلّا يلزم التناقض في كلام الشارع المقدّس، لأنّ المفروض كون السهو كالسبب لتشريع سجدتي السهو فكيف يكون رافعاً لهما؟
الأمر السابع: في شمول الحديث للُامور العدميّة و عدمه، كما إذا نذر أن يشرب من ماء الفرات فاضطرّ إلى تركه أو اكره عليه فلو قلنا بالشمول لم تتحقّق مخالفة النذر فلا حنث و لا كفّارة.
و قد وقع البحث فيه بين الأعلام، و الظاهر من كلمات المحقّق النائيني (رحمه الله) اختصاصه بالامور الوجوديّة، و استدلّ لذلك «بأنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم، لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود، لأنّ تنزيل المعدوم منزلة الموجود إنّما يكون وضعاً لا رفعاً» [١].
و أجاب عنه في تهذيب الاصول: «بأنّ ترك الشرب بعد ما تعلّق به النذر و صار ذات أثر يكون له ثبوت في عالم الاعتبار، إذ ما لا ثبوت له و لو بهذا النحو من الثبوت لا يقع تحت دائرة الحكم و لا يصير موضوعاً للوفاء و الحنث ... و بعد الثبوت الاعتباري لا مانع من تعلّق الرفع عليه بما له من الآثار» [٢].
أقول: و إن شئت قلت في الجواب: قد وقع الخلط في كلام المحقّق النائيني (رحمه الله) بين عالم
[١] راجع فوائد الاصول: ج ٣، ص ٣٥٣، طبع جماعة المدرّسين.
[٢] راجع تهذيب الاصول: ج ٢، ص ١٥٩، طبع جماعة المدرّسين.