أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٢ - المقام الثاني في كيفية دلالة الحديث على المطلوب
كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَ لَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ» و قوله: «إِلّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ»» [١].
فالظاهر من هذا الحديث و الآيات التي استشهد بها فيه اختصاص رفع المؤاخذة أيضاً بهذه الامّة.
إن قلت: العقل حاكم بقبح المؤاخذة على الخطأ و الإكراه و الاضطرار و النسيان و غيرها ممّا هو خارج عن طاقة الإنسان من دون فرق بين الامم.
قلنا: المعروف في الجواب عن هذا الإشكال أنّ الخطأ و النسيان مثلًا على قسمين: قسم لا يكون الإنسان قادراً على الاجتناب عنه بوجه من الوجوه، فهذا القسم مرفوع عن جميع الامم، و قسم آخر يمكن التحفّظ عنه بالمراقبة و إن كان ذات مشقّة، فهذا القسم لا تكون المؤاخذة عليه قبيحاً، و رفع المؤاخذة عنه امتناناً مختصّ بهذه الامّة، و هو المراد في حديث الرفع كما يدلّ عليه نفس طلب النبي ٦ إيّاه في ليلة المعراج، و إلّا كان طلبه ٦ تحصيلًا للحاصل.
بقي هنا شيء:
و هو أنّه هل يشمل حديث الرفع الأجزاء و الشرائط و الموانع أو لا؟ فإذا طرأ النسيان على السورة مثلًا فلم يأت بها فهل تكون الصّلاة صحيحة بمقتضى حديث الرفع أو لا؟
التحقيق في الجواب أن يقال: إنّ الشبهة تارةً تكون بنحو الشبهة الموضوعيّة كما إذا نسى السورة مع علمه بوجوبها، و اخرى تكون بنحو الشبهة الحكميّة كما إذا كان المكلّف حديث العهد بالإسلام فنسى أصل وجوب السورة، فإن كانت الشبهة موضوعيّة فشمول الحديث لها مبنى على جريانه في الأحكام الوضعيّة إذ إنّ الجزئيّة و الشرطيّة و المانعيّة من الأحكام الوضعيّة، و قد مرّ جريانه فيها، و إن كانت حكميّة فشمول الحديث لها مبنى على جريانه في الشبهات الحكميّة، و قد مرّ عدمه بناءً على ما اخترناه من أنّ المراد من الموصول في «ما لا يعلمون» الفعل المجهول، فلا بدّ في شموله للشبهة الحكميّة من تقدير الحكم (أي ما لا يعلمون حكمه) و هو خلاف الظاهر.
[١] وسائل الشيعة: ج ١١، أبواب جهاد النفس، الباب ٥٦، ح ٢.