أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٨٣ - الأقوال في حجّيّته الاستصحاب و بيان أدلّتها
الحوادث المختلفة فلا يعتني بهذا الاحتمال بل يداوم على عمله و يسير إلى مقصده من دون أن تمنعه هذه الاحتمالات، و في المحاكم القضائيّة العقلائيّة يبني على بقاء مالكية الإنسان ما لم يثبت خلافه، و على بقاء الوكالة ما لم يثبت العزل، و على بقاء زوجية الزوج الغائب و إن احتمل موته أو طلاقه.
و قد قال بعض المحقّقين «إنّ ذلك يظهر بالعيان و الوجدان لمن نظر في أعمالهم و حركاتهم و سكناتهم في معاملاتهم و تجاراتهم و زياراتهم لأصدقائهم و أقربائهم، و عياداتهم لمرضاهم و جميع امورهم، بل و إن تأمّل في أعمال نفسه و حركاته الارتكازية يرى أنّه يجري على طبق الحالة السابقة مع الشكّ في ارتفاعها» [١].
بل قد يقال: إنّه ثابت حتّى في الحيوانات فإنّها تطلب عند الحاجة، المواضع التي عهدت فيها الماء و الكلاء، كما أنّ الطيور تعود من الأماكن البعيدة إلى أوكارها، غاية الأمر أنّ بنائها على هذا يكون عن جبلّتها و غريزتها، و بناء العقلاء يكون عن شعورهم و عاقلتهم.
و قد أورد على هذا بإشكالات عديدة، ذكر اثنين منها في الكفاية:
أحدهما: إنّ بناء العقلاء هذا لا يفيدنا إلّا إذا كان ناشئاً من تعبّدهم على ذلك، و هو ممنوع لأنّه ينشأ من ملاكات عديدة، فقد يكون رجاءً و احتياطاً، و قد يكون من باب الاطمئنان بالبقاء، و قد يكون ظنّاً و لو نوعاً، و قد يكون من باب الغفلة كما هو الحال في الحيوانات دائماً و في الإنسان أحياناً.
لكن الإنصاف أنّه غير تامّ، لأنّ من الاحتمالات المذكورة في كلامه كون البناء من باب الظنّ النوعي، و منها كونه من باب الرجاء و الاحتياط، و هذا كافٍ في إثبات المطلوب، لأنّه إذا كان الظنّ أو الرجاء أو شبههما حجّة عند العقلاء بحيث يحتجّ به العبيد على مواليهم، و الموالي على عبيدهم فهو كافٍ في إثبات المطلوب، لأنّا لا نقصد من الحجّية إلّا هذا.
ثانيهما: سلّمنا ذلك، لكن الآيات الناهية عن العمل بغير العلم رادعة عن هذه السيرة.
و أورد عليه المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) بأنّ «كلماته في هذه المسألة في تعليقته المباركة، و في مبحث خبر الواحد من الكتاب، و في هامشه هناك، و في هذا المبحث من الكتاب مختلفة، ففي تعليقته على الفرائد قدّم السيرة على العمومات نظراً إلى استحالة رادعية العمومات عن
[١] راجع منتهى الاصول: ج ٢، ص ٤٠٩، للمحقّق البجنوردي.