أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٦٣ - التنبيه الخامس هل الحكم بنفي الضرر من باب الرخصة أو العزيمة؟
التنبيه الخامس: هل الحكم بنفي الضرر من باب الرخصة أو العزيمة؟
و يتصوّر بناءً على مختار القوم من أن القاعدة تدلّ على نفي الأحكام الضرريّة و تعمّ العبادات الضررية كالوضوء و الصوم الضرريين، فيبحث في أنّه بعد ثبوت عدم وجوب الوضوء الضرري مثلًا هل يقع صحيحاً لو أتى به المكلّف فيكون الحكم بنفيه من باب الرخصة، أو لا يقع كذلك فيكون الحكم بنفيه من باب العزيمة؟ و أمّا بناءً على المختار من عدم دلالة القاعدة على نفي التكاليف الضررية فلا موضوع لهذا البحث كما لا يخفى.
و كيف كان: استدلّ القائلون بالعزيمة بأنّ هذه الأحكام امور بسيطة لا تركّب فيها حتّى يبقى جوازها بعد رفع وجوبها.
و في قبالهم ادّعى القائلون بالرخصة بأنّها امور مركّبة، مع أنّه أوّلًا: لا دليل على التركيب، و ثانياً: لو سلّمنا التركيب يكون الجواز بمنزلة الجنس و الوجوب بمنزلة الفصل، و حيث إنّ قوام الجنس بالفصل فلا بدّ بعد رفع الوجوب من إتيان فصل آخر، و لا دليل عليه في المقام.
و استدلّوا أيضاً بأنّ دليل وجوب الوضوء مثلًا، له مدلول مطابقي و هو الوجوب، و مدلول التزامي و هو كون الوضوء ذا مصلحة، و بقاعدة «لا ضرر» ينفي المدلول المطابقي، فيبقى المدلول الالتزامي، و هو يقتضي الجواز.
و لكن يمكن الجواب عنه أيضاً بأنّه قد قرّر في محلّه بأنّ الدلالة الالتزاميّة تابعة للدلالة المطابقيّة في الحجّية و عدمها.
و يمكن أن يقال: أنّ المسألة مبنيّة على مسألة حرمة الإضرار بالنفس مطلقاً و عدم حرمتها كذلك، فعلى القول بحرمته مطلقاً يكون الصوم الضرري أو الوضوء الضرري مثلًا حراماً، فلا يصحّ التقرّب بهما، لما ذكرنا في محلّه من سراية الحسن و القبح من المسبّبات إلى الأسباب التوليديّة.
لكن الإنصاف أنّ الضرر إن كان كلّياً كانت العبادة في هذا الحال باطلة، و إن كان جزئياً أمكن القول بصحّتها، و ذلك لعدم الدليل على حرمة الإضرار بالنفس مطلقاً، بل المقطوع هو ما إذا كان الضرر كلّياً.