أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٦ - ١- الكتاب
مفعولًا بدون الواسطة، فإنّ المضارّة تتعدّى بنفسها، و المعنى حينئذٍ هو النهي عن اضرار الامّ بولدها بترك ارضاعه غيظاً على أبيه لبعض الجهات، و تمسّكاً بعموم ما يدلّ على عدم وجوب الارضاع عليها، و عن اضرار الأب بولده بأن يأخذ للولد امرأة مرضعة و يمنع امّه عن ارضاعه (فيتضرّر منه الولد) تمسّكاً بعمومات ولايته على ابنه، و على هذا تكون الآية حاكمة على عموم عدم وجوب الارضاع و عموم الولاية.
ثانيهما: أن تكون «لا تضارّ» مبنية على المفعول و الباء للسببيّة، و المعنى لا تضارّ الوالدة بسبب الولد بأن يترك مجامعتها خوفاً من الحمل، و لا يضارّ الوالد بامتناع الامّ عن الجماع خوفاً من الحمل، و بناءً على هذا المعنى تكون الآية بالإضافة إلى فقرتها الاولى مقدّمة على العموم ما يدلّ على جواز ترك الجماع مدّة أربعة أشهر، و أمّا بالنسبة إلى الفقرة الثانية فلا حكومة لها على عموم دليل، لأنّه لا عموم يدلّ على جواز امتناعها و عدم تمكينها، بل الدليل على العكس فيدلّ على وجوب التمكين و حرمة الامتناع، فتكون الآية حينئذٍ مؤيّدة لذاك الدليل لا حاكمة عليه.
و منها: قوله تعالى في باب الطلاق: «وَ لَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا» [١]. حيث ينهى عن الرجوع إلى المطلّقات الرجعيّة و تكراره لا لرغبة فيهنّ بل لطلب الاضرار بهنّ تمسّكاً بعموم ما يدلّ على جواز الرجوع في الرجعيّات في مدّة العدّة، فتكون الآية حاكمة على هذا العموم.
و منها: قوله تعالى في باب الطلاق أيضاً: «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَ لَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ» [٢] حيث ينهى عن الإضرار و التضييق على المطلّقات في السكنى و النفقة في أيّام عدّتهنّ، و يكون مفيداً لنا في المقام إذا كان المراد من التضييق الاكتفاء بالمقدار الأقلّ من الواجب بقصد الاضرار بها تمسّكاً بعموم ما يدلّ على جواز هذا الاكتفاء، فتحكم الآية حينئذٍ على ذلك العموم و تقيّده بغير صورة الاضرار.
و أمّا إذا كان المراد منه اعطاء الأقلّ من مقدار الواجب فتكون الآية أجنبيّة عمّا نحن فيه لأنّ الاعطاء هذا بنفسه حرام، و لا حاجة في إثبات حرمته إلى التمسّك بعنوان الاضرار.
[١] سورة البقرة: الآية ٢٣١.
[٢] سورة الطلاق: الآية ٧.