أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٤ - الكلام في قاعدة لا ضرر
حاجتهم إليها في طيّات كتب الفقه و شتّى أبواب العبادات و المعاملات [١]، فكان من حقّها أن تفرد من علمي الاصول و الفقه، و تبحث بصورة مستقلّة و في علم مستقلّ، كما صنّفناه في كتابنا الموسوم بالقواعد الفقهيّة، فبحثنا فيه عن مهمّاتها و هى ثلاثون قاعدة.
الثاني: في تعريف القاعدة الفقهيّة و وجه افتراقها عن المسائل الاصوليّة و الفقهيّة.
و لا بدّ أوّلًا من الإشارة الإجماليّة إلى تعريف المسائل الاصوليّة و الفقهيّة، فنقول:
أمّا المسائل الاصوليّة فالمشهور إنّها «قواعد تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة» و في كلمات بعضهم «هى القواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة» و في كلمات بعض آخر: «هى قضايا تقع كبرى لقياس يستفاد منها حكم شرعي» و المختار عندنا (كما ذكرنا في محلّه) إنّها «القواعد التي لا تشتمل على حكم شرعي و تقع في طريق استنتاج الأحكام الكلّية الفرعيّة الإلهيّة أو الوظيفة العمليّة».
و أمّا المسائل الفقهيّة فهى: «ما يشتمل على حكم شرعي في موضوع خاصّ أمّا تكليفي أو وضعي».
و أمّا القواعد الفقهيّة فهى كالبرازخ بينهما و امور تكون بنفسها من الأحكام الشرعيّة الفرعيّة (إثباتاً أو نفياً) لا أنّها تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعيّة حتّى تدخل في المسائل الاصوليّة، بل تكون أحكاماً فرعية كلّية لا تختصّ بباب دون باب، و تجري في أبواب مختلفة، و ليست أحكاماً جزئيّة لموضوعات خاصّة حتّى تدخل في المسائل الفقهيّة و تكون معدّة للورود في الرسائل العمليّة و الوصول إلى أيدي المقلّدين مباشرة.
و هى على أقسام عديدة: فقسم منها ما يكون جارياً في جميع أبواب الفقه كقاعدة لا ضرر و لا حرج، و قسم منها يختصّ بكتاب خاصّ كقاعدة لا تعاد التي تختصّ بكتاب الصّلاة مع سريانها في أبواب مختلفة منها، و قاعدة الطهارة المختصّة بكتاب الطهارة، و قسم ثالث منها
[١] و لقد أجاد شيخنا الاستاذ دام ظلّه حيث قال في هذا المجال: «من أهمّ ما يجب على الفقيه تحقيقه و البحث عنه هى القواعد الفقهيّة التي تكون ذريعة للوصول إلى أحكام كثيرة من أوّل الفقه إلى آخره، و تبتني عليها فروع هامّة في شتّى المباحث و الأبواب، لكن- رغماً لهذا الموقف- لم يبحث عنها بما يليق بها، و لم يؤدّ حقّها من البحث ... (إلى أن قال) فأصبحت هذه القواعد النفيسة كالمشرّدين لا تأوي داراً و لا تجد قراراً، لا تعدّ من الاصول و لا من الفقه، مع أنّ من حقّها أن يفرد لها علم مستقلّ ...» القواعد الفقهيّة: ج ١، ص ١١.