أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٩٤ - المقام الثاني في شرائط جريان سائر الاصول
فمقتضى اطلاقها جواز إجراء البراءة و لو قبل الفحص، فلا بدّ في رفع اليد عن هذا الاطلاق و تقييده بما بعد الفحص من دليل مقيّد، و لذلك ذكر الأصحاب وجوهاً أربعة للتقييد:
١- الإجماع، لاتّفاق جميع العلماء من الشيعة و السنّة على عدم جواز إجراء البراءة قبل الفحص عن مظان البيان، بل عليه ضرورة الفقه.
فانّك لا تجد فقيهاً إذا سئل عن مسألة شرعيّة يفتي بالبراءة من دون الرجوع إلى الكتاب و السنّة.
و أورد على هذا الوجه بأنّ الإجماع هذا لا أقلّ من كونه محتمل المدرك، فلعلّ منشأه الوجوه الثلاثة الاخر، و لكن قد عرفت أنّ المسألة بلغت فوق حدّ الإجماع، و هو الضرورة، و من المعلوم أنّه إذا صار الحكم ضرورياً فالواجب الأخذ به من أي طريق كان.
٢- حصول العلم الإجمالي لكلّ أحد قبل الأخذ في استعلام المسائل بوجود واجبات و محرّمات كثيرة في الشريعة، و معه لا يصحّ التمسّك بأصل البراءة لما تقدّم من أنّ مجراها الشكّ في أصل التكليف لا في المكلّف به مع العلم بالتكليف.
و يرد عليه: أنّ هذا أخصّ من المدّعى، فإنّ المدّعى عدم جواز التمسّك بأصل البراءة حتّى بعد الظفر بمقدار المعلوم بالإجمال في الشبهات البدويّة و المسائل المستحدثة.
٣- الآيات و الروايات الدالّة على وجوب تحصيل العلم الذي لازمه وجوب الفحص.
أمّا الآيات فنظير آية السؤال أو النفر حيث تتضمّنان معنى الفحص.
و أمّا الروايات فهى على طائفتين:
الطائفة الاولى: ما تدلّ على وجوب تحصيل العلم و بالتالي على وجوب الفحص بشكل كلّي.
منها: ما رواه مسعدة بن زياد قال سمعت جعفر بن محمّد ٧ و قد سئل عن قوله تعالى:
«فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ» فقال: إنّ اللَّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة عبدي كنت عالماً؟ فإن قال نعم، قال له: أ فلا عملت بما علمت؟ و إن قال: كنت جاهلًا، قال: أ فلا تعلّمت حتّى تعمل، فيخصمه فتلك الحجّة البالغة» [١].
و منها: جلّ الأحاديث الواردة في كتاب فضل العلم من اصول الكافي (في الباب الأوّل) كالحديث المعروف من أنّ «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم» الذي يدلّ على وجوب التعلّم
[١] تفسير البرهان: ج ١، ص ٥٦٠.