أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٧٠ - الأمر الثالث هل يسقط الوجوب عند تعذر وجود الجزء أو الشرط ؟
و ثانياً: بأنّ استصحاب الوجوب يتصوّر بالنسبة إلى ما إذا فُقد الطهورين مثلًا بعد دخول الوقت، و أمّا إذا فقد قبله فلا تجب عليه الصّلاة حتّى يستصحب وجوبها، اللهمّ إلّا أن يقال بوجوبها قبل الوقت أيضاً على نحو الواجب المعلّق، لكن المختار عدم صحّته فلا وجه لجريان استصحاب الوجوب، بل الجاري إنّما هو استصحاب عدم الوجوب.
و قد يقال: إنّ هذا الاستصحاب من قبيل القسم الثاني للكلّي لا الثالث لأنّه من قبيل الشكّ في بقاء الحيوان من جهة تردّده بين طويل العمر و قصير العمر لأنّ الوجوب المتعلّق بالمركّب هنا مردّد بين تعلّقه به على أن يكون الجزء المتعذّر جزءاً له مطلقاً فيسقط الوجوب بتعذّره، أو يكون جزءاً له في حال الاختيار فقط فيبقى التكليف بالباقي على حاله.
و اجيب عنه: بأنّه غير معقول لأنّه لازمه تعلّق طلب واحد بعشرة أجزاء تارةً، و بتسعة أجزاء اخرى، هذا محال، لأنّ الطلب الواحد لا يتعلّق بشيئين مختلفين، فلا يمكن اندراجه في القسم الثاني من استصحاب الكلّي.
ثمّ إنّه ذكر في المقام وجه آخر للاستصحاب، و هو أن يستصحب شخص الوجوب السابق المتعلّق بالمركّب لأنّه منبسط على أجزاء المركّب، و بعد تعذّر بعض أجزائه يكون الوجوب في المركّب الناقص عين الوجوب الأوّل الذي كان منبسطاً على المركّب التامّ، غايته أنّ حدّه قد تبدّل بحدّ آخر، نظير البياض المنبسط على جسم طويل فيما إذا انفصل منه جزء و صار قصيراً، حيث إنّ البياض الباقي في الجسم القصير هو عين ذلك البياض الأوّل، غايته أنّه تبدّل حدّه بحدّ آخر.
و الجواب عنه: إنّ المركّب الناقص الباقي كان واجباً ضمن المركّب التامّ لا مستقلًا مع أنّ المراد في هذا الوجه استصحاب وجوب الباقي بالاستقلال، فيتبدّل الموضوع من الوجوب الضمني إلى الوجوب الاستقلالي، و يلزم منه عدم وجود شرط الاتّحاد المعتبر في موضوع الاستصحاب، اللهمّ إلّا أن يكون الجزء المتعذّر أمراً غير هامّ بحيث يعدّ من الحالات المتواردة على الموضوع، لا المقوّمة له.
فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ الأصل الجاري في المقام هو البراءة لو لا دليل خاصّ اجتهادي يدلّ على بقاء الوجوب، نظير ما ورد في باب الصّلاة من «أنّ الصّلاة لا تدرك بحال».
ثمّ إنّ المحقّق العراقي (رحمه الله) استدلّ في المقام لوجوب الباقي بعمومات الاضطرار كقوله ٧ في خبري زرارة و محمّد بن مسلم: «التقية في كلّ شيء، و كلّ شيء اضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه