أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٥٦ - الجهة الاولى في الأجزاء
الثالثة: فيما إذا حصل لنا العلم من ناحية دليل خارجي كالإجماع و نحوه بعدم حصول غرض المولى فيجب الاحتياط حتّى يعلم بحصوله.
و في غير هذه الموارد لا يجب تحصيل الغرض، و لا دليل على وجوبه، و إنّما الواجب على المكلّف الإتيان بالتكاليف الواصلة و امتثال الأوامر و النواهي الثابتة، فإنّها هى حلقة الاتّصال بين المولى و العبد، و لا علم للعبد بأغراض المولى، لأنّ أغراضه تحت اختياره و مربوطة به، و لا ربط للعبد بها إلّا في ما ذكر، فيدور أمره في غيره مدار الإبلاغ و الوصول. هذا أوّلًا.
و ثانياً: قد وقع في هذا الوجه الخلط بين قصد الوجه و قصد الجزم، فإنّ قصد الوجه حاصل في المقام لأنّه يأتي بالأكثر بقصد الوجوب لكن لا جزماً بل احتمالًا، فالمفقود هو قصد الجزم (لا قصد الوجه)، و لا دليل على اعتباره، و لذلك اخترنا إمكان الاحتياط في العبادات، و لو سلّمنا باعتبار قصد الجزم فإنّه منحصر بصورة التمكّن عنه، و المقام ليس كذلك.
ثالثاً: في قول المستدلّ من أنّ المصلحة قد تكون في نفس الإنشاء: إن كان المقصود إمكان تصوّر ذلك في مقام الثبوت فلا إشكال في إمكانه، و إلّا فإنّا لم نظفر به في الشرعيّات في مقام الإثبات حتّى في مورد واحد.
نعم قد يتوهّم بوجوده في ثلاثة موارد:
أحدها: الأوامر الامتحانيّة كما في قصّة ذبح إسماعيل ٧.
و الصحيح أنّ المصلحة فيها أيضاً في نفس العمل لا في خصوص الإنشاء: فإنّ في قصّته ٧ و إن لم تكن المصلحة في المأمور به المباشري و هو الذبح، لكنّها كانت موجودة في مقدّماته و فعل التهيّؤ للذبح و الإقدام به، و لعلّ المأمور به الواقعي عند المولى كان هو الإتيان بمقدّمات الذبح الدالّة على كمال إيثار الخليل و الذبيح و إخلاصهما، كما يشهد عليه قوله تعالى «قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا» كما لا يخفى.
ثانيها: الأوامر الجزائيّة كما في قصّة البقرة لنبي إسرائيل فقد ورد في الحديث: «و لكن شدّدوا فشدّ اللَّه عليهم» [١] فإنّ ظاهره عدم وجود المصلحة في لونها و سنّها، بل المصلحة كانت في مجازاتهم بالتضييق عليهم.
[١] بحار الأنوار: ج ١٣، ص ٢٦٢، ح ٢.