أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٥٣ - الجهة الاولى في الأجزاء
هو الأقل أو الأكثر، مع أنّه ليس كذلك، فإنّ الواجب الواقعي لو كان هو الأكثر لم يكن وجوب الأقل منجّزاً، إذ وجوب الأقل حينئذٍ يكون مقدّمياً و من باب تبعية وجوب المقدّمة لوجوب ذي المقدّمة في التنجّز، و المفروض عدم تنجّز وجوب ذي المقدّمة و هو الأكثر لجريان البراءة فيه على الفرض، فليس وجوب الأقلّ ثابتاً على كلّ تقدير، مع أنّ المعتبر في الانحلال وجوب كذلك، و هذا خلف.
و أمّا محذور لزوم عدم الانحلال من الانحلال فتوضيحه: إنّ انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي و الشكّ البدوي منوط بالعلم بوجوب الأقلّ تفصيلًا، و هذا العلم التفصيلي موقوف على تنجّز وجوب الأقلّ مطلقاً، نفسياً كان أو غيريّاً، و تنجّز وجوبه الغيري يقتضي تنجّز وجوب الأكثر نفسيّاً حتّى يترشّح منه الوجوب على الأقل، و يصير واجباً غيريّاً، و لا يخفى أنّ تنجّز وجوب الأكثر يقتضي عدم الانحلال، فلزم من الانحلال عدم الانحلال و هو محال.
أقول: لا يخفى رجوع الإشكال الثاني إلى الأوّل، لأنّ الخلف أيضاً يؤول إلى ما يلزم من وجوده عدمه.
و قد أخذ المحقّقون في الجواب عنهما، و كلّ اختار طريقاً لحلّ المشكلتين.
فقال المحقّق النائيني (رحمه الله): يرد عليه أمران:
الأوّل: إنّ ذلك مبنى على أن يكون وجوب الأقل مقدّمياً على تقدير أن يكون متعلّق التكليف هو الأكثر، إلّا أنّ ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، لما تقدّم من أنّ وجوب الأقلّ لا يكون إلّا نفسيّاً على كلّ تقدير، لأنّ الأجزاء إنّما تجب بعين وجوب الكلّ، و لا يمكن أن يجتمع في الأجزاء كلّ من الوجوب النفسي و الغيري.
الثاني: إنّ دعوى توقّف وجوب الأقل على تنجّز التكليف بالأكثر لا تستقيم، و لو فرض كون وجوبه مقدّمياً، و سواء اريد من وجوب الأقلّ تعلّق التكليف به أو تنجّزه، فإنّ وجوب الأقل على تقدير كونه مقدّمة لوجود الأكثر إنّما يتوقّف على تعلّق واقع الطلب بالأكثر، لا على تنجّز التكليف به، لأنّ وجوب المقدّمة يتبع وجوب ذي المقدّمة واقعاً و إن لم يبلغ مرتبة التنجّز، و كذا تنجّز التكليف بالأقل لا يتوقّف على تنجّز التكليف بالأكثر بل يتوقّف على العلم بوجوب نفسه، فإنّ تنجّز كلّ تكليف إنّما يتوقّف على العلم بذلك التكليف، و لا دخل لتنجّز تكليف آخر في ذلك [١].
[١] راجع فوائد الاصول: ج ٤، ص ١٥٦- ١٥٨، طبع جماعة المدرّسين.