أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٢٣ - التنبيه الأوّل الاضطرار إلى بعض الأطراف
نحتمل تعلّقه بالجنس الواقعي في مثال الإنائين المعلومة نجاسة أحدهما فلا إشكال في أنّ شكّنا في نجاسة غير المضطرّ إليه بدوي يكون المرجع فيه أصالة البراءة سواء كان الاضطرار إلى أحدهما المعيّن أو إلى أحدهما غير المعيّن.
إن قلت: «إنّ الاضطرار إلى أحدهما غير المعيّن يجتمع مع التكليف الواقعي و لا مزاحمة بينهما لإمكان رفع الاضطرار بغير متعلّق التكلّف مع قطع النظر عن العلم و الجهل الطارئ، بل لو لا الجهل بشخص متعلّق التكليف لكان يتعيّن رفع الاضطرار بغيره فالاضطرار إلى غير المعيّن قبل العلم بالتكليف كلّاً اضطراراً، لا يوجب التصرّف في الواقع و لا يصادم متعلّق التكليف و لا تقع المزاحمة بينهما» [١].
قلنا: إنّ رفع الاضطرار بالإناء الطاهر واقعاً يتوقّف على العلم بالنجس الواقعي بعينه و إمكان الجمع بين «اجتنب عن النجس» و «رفع ما اضطرّوا إليه»، و هذا خارج عن محلّ البحث لأنّ محلّ البحث هو ما إذا كان الواقع مجهولًا و احتمل انطباق ما يختاره على النجس الواقعي، و حينئذٍ لا علم لنا بما يكون فعليّاً على كلّ تقدير، بل المعلوم هو ما يكون فعلياً على تقدير (و هو عدم تعلّق الاختيار بالنجس الواقعي) و غير فعلي على تقدير آخر (و هو تعلّق الاختيار بما هو طاهر واقعاً) و تكون النتيجة حينئذٍ عدم العلم بحكم فعلي على كلّ تقدير، فيصير المورد مجرى أصالة البراءة و الحلّية.
هذا كلّه إذا طرأ الاضطرار قبل العلم الإجمالي، و أمّا إذا حصل بعده فيجب الاحتياط مطلقاً أيضاً بالنسبة إلى غير المضطرّ إليه لتساقط الاصول المرخّصة الجارية في الأطراف قبل حصول الاضطرار بالتعارض أو عدم جريانها للتناقض في مدلولها، فلا مجال لجريانها بعد حصوله لما ثبت في محلّه من عدم عموم أزماني لها فليس المراد من قوله ٦ «رفع عن امّتي ما لا يعلمون» مثلًا هو الرفع في كلّ ساعة و كلّ يوم، و إلّا يلزم جواز إعدام أحد أطراف العلم الإجمالي في الغنم الموطوءة مثلًا و إجراء الاصول المؤمنة في سائر الأطراف بلا معارض، و كذلك كان الجائز أن يقول الإمام ٧ في حديث الإهراق «يهرق أحدهما و يتوضأ من الآخر» بدل «يهريقهما» و نهايةً يلزم جواز اسقاط كلّ علم إجمالي عن الأثر و هو كما ترى، فإذا
[١] راجع فوائد الاصول: ج ٤، ص ٩٨- ٩٩، طبع جماعة المدرّسين.