أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٢٢ - التنبيه الأوّل الاضطرار إلى بعض الأطراف
تنجّز احتمال التكليف بالنسبة إلى المضطرّ إليه فقط بعروض الاضطرار و أمّا بالنسبة إلى الباقي فأصالة الاشتغال محكمة، و إلّا يلزم إمكان اسقاط العلم الإجمالي من جميع الموارد بإعدام أحد الأطراف و إتلافه، و هو ممّا لا يلتزم به أحد.
قلنا: إنّ الشكّ إن كان في مرحلة الفراغ و سقوط ما في الذمّة كان المرجع فيه قاعدة الاشتغال و إن كان في مرحلة ثبوت التكليف و اشتغال الذمّة به كان المرجع فيه أصالة البراءة، و بما أنّ الحكم الواقعي مقيّد بعدم طروء الاضطرار فمع طروّه لا علم بالتكليف حتّى يكون الشكّ في مرحلة الامتثال و الفراغ، و هذا بخلاف باب التلف فإنّ التكليف فيه مطلق غاية الأمر يرتفع بارتفاع موضوعه، فإذا كان التالف هو موضوع التكليف المعلوم بالإجمال فقهراً يرتفع الحكم و ينعدم لا أنّه محدود من هذه الناحية.
و أورد عليه بوجهتين:
الأوّل: إنّ هذا الفرق بين باب الاضطرار و باب التلف ليس بفارق لأنّه لا فرق في نظر العقل في تنجيز العلم لمتعلّقه المعلوم بالإجمال بين أن يكون تكليفاً مطلقاً على كلّ تقدير أو كان مطلقاً على تقدير انطباقه على هذا الطرف مثلًا و بين أن يكون و تكليفاً محدوداً على تقدير انطباقه على الطرف الآخر كما لو علم إجمالًا بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة مثلًا، فوجوب صلاة الظهر مطلق يجب أن يأتي بها طول العمر أمّا أداءً أو قضاءً، و وجوب صلاة الجمعة محدود إلى ساعة بعد الزوال فلا يصحّ بعد مضي ساعة من الظهر إجراء البراءة عن صلاة الظهر كما هو واضح.
و بعبارة اخرى: إنّ غاية ما يلزم في صورة طروء الاضطرار بعد العلم الإجمالي أن يصير المورد من قبيل التكليف المردّد بين فرد طويل العمر و فرد قصير العمر كما في المثال.
الثاني: أنّه كما أنّ عدم طروء الاضطرار قيد للحكم و الحكم مشروط به، كذلك وجود الموضوع يكون قيداً للحكم، أي الحكم مشروط بوجود الموضوع، فلا فرق بين تقيد الحكم بالاضطرار أو تقييده بوجود موضوعه.
أقول: الصحيح هو الوجه الرابع، و هو التفصيل بين صورتي طروء الاضطرار بعد العلم الإجمالي و بين صورتي حصوله قبله، و الدليل عليه أنّ العلم الإجمالي إذا تعلّق بحكم، فعلي على كلّ حال يكون مؤثّراً بلا شبهة، ففي ما إذا حصل الاضطرار قبل العلم الإجمالي فحيث إنّا