أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٠٤ - الأمر الرابع دوران الأمر بين التعيين و التخيير
و استدلّ القائلون بالاشتغال تارةً من طريق مقام الجعل و الثبوت، و اخرى من طريق مقام الامتثال و الإثبات:
أمّا الطريق الأوّل: فبأنّ مرجع الواجب التعييني «وجوب هذا و لا سواه»، أو «هذا و لا بدلًا له» فيتركّب من جزءين أحدهما: وجودي ثابت بالوجدان، و الآخر: عدمي يثبت بأصل العدم من دون أن يرد عليه إشكال الأصل المثبت أو العدم الأزلي لأنّه من قبيل المركّب لا المقيّد (كصفة القرشية للمرأة) و أمّا الواجب التخييري فمردّه إلى وجوب «هذا أو هذا» فيكون القيد الثاني وجوديّاً فيحتاج إثباته إلى دليل.
و أمّا الطريق الثاني: فبأنّ رجوع الشكّ فيهما إلى الشكّ في سقوط ما علم تعلّق التكليف به بفعل ما يحتمل كونه عدلًا له فيكون المرجع قاعدة الاشتغال.
و يرد على دليل البراءة بأنّها جارية في الامور الخارجيّة كالكلفة الحاصلة من صيام جديد أو صلاة كذلك أو أجزاء و شرائط جديدة كالسورة و لبس بعض الملابس، و أمّا في التحليلات التي لا انحياز لها في الخارج فلا، مثل ما نحن فيه فإنّ الأخذ بالقدر المشترك أي إلزام أحدهما (إلزام الجمعة أو صلاة الظهر) و نفي الزائد عنه أي الكلفة الحاصلة من خصوصيّة كونها ظهراً أو جمعه ليس من قبيل الامور الخارجيّة المنحازة بل هذا التحليل و التجزئة إنّما يحصل في العقل لا غير.
و شمول حديث الرفع و أشباهه لها غير ثابت كما أنّ إجراء البراءة العقليّة (لا سيّما بناءً على المختار من كونها من قبيل بناء العقلاء) مورد للإشكال فإذا لم تجر البراءة فيها لم يكن هناك مؤمّن في مقابل احتمال العقاب، فلا بدّ من الأخذ بالتعيين.
و هذا هو العمدة في المقام، و إلّا فأدلّة القائلين بالاشتغال بكلا شقّيه لا يخلو من تأمّل.
أمّا الأوّل، فلأنّ الفرق بين الواجب التعييني و التخييري ليس من ناحية قيد زائد عدمي في الواجب التعييني بل الواجب التعييني نوع خاصّ من الوجوب يباين ماهيّة مع الواجب التخييري، فهما نوعان من الإيجاب، فمن طلب شيئاً تعييناً كان ذلك لخصوصيّة وجوديّة فيها تعلّقت إرادته بها، فالمولى إذا طلب التفّاح من عبده تعييناً إنّما يريدها لخصوصيّة فيها تقوم بدواء دائه مثلًا لا إنّه أمر عدمي.
و كذلك بالنسبة إلى الدليل الثاني، أعني مقام السقوط فإنّه فرع لمقام الثبوت، فإذا كانا