جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٨٣ - الاستحاضة الكبرى
و ممّا ذكرنا من المختار هنا يظهر الحال فيما تقدّم أيضاً، و هي ما لو علمته أنّه انقطاع فترة لكنّها لم تعلم أنّها فترة تسع الطهارة و الصلاة أو لا ثمّ انكشف بعد ذلك أنّها كذلك، مع احتمال الفرق بينهما بأنّ الفترة إنّما تعتبر لو علمت بها. أمّا مع عدم العلم و تجويزها مجيء الدم في كلّ آن فلا، مع أصالة براءة الذمّة من القضاء و غيره. و لعلّه الأقوى أيضاً (١). هذا كلّه إذا انقطع الدم بعد الطهارة قبل فعل الصلاة، أمّا لو انقطع في أثنائها (٢)-
(١) و يشعر به ما عن العلّامة في نهاية الإحكام، حيث قال: «و لو انقطع لا للبرء بل كان من عادتها العود أو أخبرها به العارف، فإن قصر الزمان عن الطهارة و الصلاة لم يجب إعادة الطهارة، بل تشرع في الصلاة، و لا عبرة بهذا الانقطاع؛ لأنّ الظاهر عدم دوامه، فإن صلّت فطال زمانه فالوجه الإجزاء؛ لأنّها دخلت في الصلاة بأمر شرعي فكان مجزياً» انتهى. و يقرب منه ما في الذكرى [١] أيضاً.
(٢) فقد أطلق الشيخ في المبسوط و الخلاف صحّة الصلاة و عدم إيجاب الطهارة، مع حكمه بفساد الطهارة لو حصل قبل فعل الصلاة، و وافقه العلّامة في المنتهى و المختلف و الشهيد في البيان [٢]. و أنكر عليه ابن إدريس ذلك؛ معلّلًا بأنّه: إذا كان انقطاع دم الاستحاضة حدثاً فهو مفسد للصلاة مع تخلّله فيجب الاستئناف [٣].
قلت: و هو [الإنكار] في محلّه؛ إذ لا نعرف وجهاً يختصّ به الانقطاع في أثنائها عن الانقطاع قبلها؛ إذ هو: ١- إن كان إطلاق ما دلّ على العفو عن هذا الدم، فهو: أ- مع عدم شموله بحسب الظاهر لمثل هذا الفرد النادر الذي قلّما يتحقّق الاطّلاع عليه في أثناء الصلاة. ب- جارٍ في الحالين [أي في أثناء الصلاة و قبلها]، فلا ينبغي الفرق من جهته.
٢- و إن كان لمكان الاستصحاب، فهو: أ- مع إمكان المناقشة في جريانه في مثل تخلّل الحدث في أثناء الصلاة؛ لانقطاعه بما دلّ على بطلانها بذلك، و به يظهر الفرق بعد الإجماع المحكيّ و غيره بين ما نحن فيه و بين وجدان الماء للمتيمّم في أثناء الصلاة؛ لعدم الحدث فيه بخلافه هنا. ب- مع استصحابها للنجاسة المغلّظة هنا دونه، بناءً على بطلان الصلاة للمتيمّم لو كان على ثوبه أو بدنه نجاسة كذلك. ٣- [و هو] جارٍ أيضاً فيهما [أثناء الصلاة و قبلها] من غير فرق بين حالتي الانقطاع في الأثناء أو قبله. ٤- على أنّه بعد ما كانت الأدلّة الدالّة على العفو عن هذا الدم ظاهرة في غير هذا الفرد، فلم تثبت صحّة لتلك الطهارة حتى تستصحب، فليس حينئذٍ إلّا الرجوع لغيرها، و هي تقتضي فسادها؛ لأنّ دم الاستحاضة حدث. و التمسّك باستصحاب صحّة الصلاة غير متّجه حينئذٍ، على أنّه لا يستلزم الصحّة مطلقاً، بل أقصاه عدم البطلان، و قد يكون حينئذٍ تكليفها الطهارة ثمّ البناء أو غير ذلك، فتأمّل جيّداً. و إن كان [الوجه] لأنّه قد دخل في صلاته دخولًا مشروعاً فوجب عليه الإكمال؛ لقوله تعالى: «وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» [٤] فهو: أ- مع عدم صلاحيّته لمعارضة ما دلّ على بطلانها بحصول الحدث في أثنائها. ب- و عدم شمول الآية للبطلان القهري بعد الغضّ عن صحّة التمسّك في أصل ذلك؛ لظهور سياقها في إرادة النهي عن إحباط العمل بالارتداد و نحوه. جأنّها [الآية] لا تستلزم الصحّة على الإطلاق، فلِمَ لا يجوز حينئذٍ الطهارة و البناء مثلًا؟
[١] نهاية الإحكام ١: ١٢٨. الذكرى ١: ٢٥٣.
[٢] المبسوط ١: ٦٨. الخلاف ١: ٢٥٠. المنتهى ٢: ٤٢٣. المختلف ١: ٣٧٧. البيان: ٦٧.
[٣] السرائر ١: ١٥٢- ١٥٣.
[٤] محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم): ٣٣.